رسالة مفتوحة إلى البرلمان السنغالي

إذا كانت الشعوب تتفاوت بقياداتها، وتتسابق بقادتها، فهناك مفاتيح تغلق أبواب التخلُّف عن قارتنا بدُوَلها، وتفتح لها مجالات التقدم بمصاريعها، وتلكُم المفاتيح بيد شعبنا السنغالي، إذا تحرر من قيود التبَعيّة، منطلِقا من وعيه الذاتي، مُستعملا آلتَه الفعّالة في تشريع القوانين، والتي تتجسّد في مجلس البرلمان، السلطة الثانية من تلكم الثالوث المدني (التنفيذية، التشريعية، القضائية)
​ وإذا كانت النواب تشرِّع عنّا وتحاجُّ في المجلس الوطني لمصالحنا، فهذه رسالة إليكم أيها النوّاب في مجلس الشعب السغالي! طالما تداولتُ مضامينها في الشوارع والأندية. وعلمت أنها لا تُجدي إلا إذا بلّغتموها نيابة عنّي وعن المقتنعين بما فيها من الأفكار، فهو اقتراح واحد ذي ثلاث شعب، أو جذع متين له ثلاثة أغصان.. أنادي المتخصّصين في تقنين التشريعات، فيصوغوها على شكل مشروع قانوني يُقدَّم إلى البرلمان، ويصوت له النوّاب الأحرار، ليتحرَّر بعد ذلك بلدُنا العزيز الذي طالما اضطرب وانجذب لينفلت من قيود التبعية المُرهقة، والتي تُمكّن تحكُّمها علينا وتتفنّنُ في قيْدِنا بها أولاءكم السفَلة من الساسة الذين بدَّلوا الكفر بالإيمان، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا ثروات أرضنا بثمن بخس دراهم معدودة!
والاقتراح كما يلي:
البند الأول: ـ لا يمكن بعد إقرار أو إجازة هذا المشروع لأحد من مسؤولي الوطن المنتخَبين أن ينتسب نسلُه إلى مؤسسة تربوية غير سنغالية، في داخل البلد أو خارجه.
البند رقم اثنين: لا يُسمح لأي مسؤول منتخَب أن يتعالج في مؤسسة صحيّة غير سنغالية، لا في داخل البلد أو خارجه.
البند رقم ثلاثة: لا يسمح لأي مسؤول منتخب، أن يعيش بعد تقاعده أو نهاية دورته من منصب سياسي إلا في أرض البلد.

والمبررات التنمويّة لهذا المشروع تتمثل في التالي:
أولا: كون مشاريع الإنسان تمتدُّ ـ مهما قصُرت ـ إلى قرن أو قرون، وحياتُه مقصورة في عقود من السنوات… وعلى ذلك، يمنُّ الله الحكيم على الإنسان بنسل (أولادا وذرية) يواصل مشاريعه الممتدة، فيودّ الإنسان ـ على كل حال ـ أن يكون ولدُه امتدادا لفكره، كما قدّر الله أن يكون الولد امتدادا بيولوجيا لوالده…ولعُقدة سلطوية ابتُلي بها ساستُنا وكبراؤُنا، يرون أن أبناءهم هم ساسة أبنائنا وكبراءهم في المستقبل القريب، فوجّهوا نسلهم إلى مؤسسات تربوية أجنبيّة راقية.. متعمِّدين التغافل عن دعم التربية الوطنية بما يستحق من المقوّمات الماديّة والمعنويّة، ليبقى أبناؤُنا في تدهور علمى مطَّرد، وأولادهم هناك في تقدُّم علمي مستمرّ. ونتيجة ذلك: أن يرجعَ أولادُهم ليسُوسوا البلد ويذلُّوا أولادَنا كما أذلَّنا آباؤهم. وهذا عكس منطق قوله تعالى: “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”
فلو كانت فلذات أكبادهم في المؤسسات التربوية الوطنية لاعتنوا بتلكُم المؤسسات، تطويرا وتكييفا وتحديثا، فيستفيد الوطن من جميع أولاده على سواء، ويستفيد جميع أبناء السنغال بتربية وطنية على المستوى المرموق.

ثانيا: تقتضي العدالة الاجتماعية تكافؤ الفرص في جميع ضرورات الحياة، والتي من أهمِّها الصحة. وفي سنغالنا تعاني الفقراء أو الشعب كله ـ لعموم الفقر ـ من ويلات هزالة المصحّات والمستشفيات، والتي تستنزف بقايا دراهم، أوخفايا رمق تضنّ بها مرضانا…
كم وكم تزور مريضا لزم الفراش شهورا، وتنصحه للذهاب إلى الطبيب، فيمتنع لا كرها، وإنما لأنه لايجد مبالغ تكفي لشراء مايتوقع من الوصفات، ولاتتحمّل نفسيتُه العليلة ـ كجسمه ـ مايستقبلونه به من الفواتير أو من العبوس والقمطرير.
ولو كانت ساستنا يتعالجون عندنا لأدرجوا قطاع الصحة على قائمة الأوليات بالفعل لا بالقول، ولتمتّع كافة الشعب بالعناية الصحيّة اللائقة بالإنسان وأيّ إنسان!

ثالثا: كثيرا ما أطرِق خجلا عندما أسمع قولهم: “ليستْ أفريقيا إلا مقابر ساستِها”. وقليلا ما أنشرح صدرا في أرض يترشّح سياسيٌّ لقيادتها، طالبا رئاسة الدولة، ذلك المنصب الذي يجب أن يبقى رمز الإباء عن الضيم، وسِمة للوطنية المتجذِّرة، وعلَما للفناء، هذا المصطلح الصوفي الضروري لتقديم خدمات خالدة دون توقع أجر إلا من الله سبحانه!
فما بالُنا نسمح لهؤلاء الساسة بشراء بقاع بل قلاع في قارات أخر يقضون فيها العطل، ويهاجرون إليها فور تنحيتهم من عروشهم أو كراسيهم؟؟ ألايكفي هذا التصرف دليلا على كراهتهم أرض الوطن ومناخه وأهله وعاداته وتقاليده وتراثه…وهلم جرا
أتذكر يوم سُئل أحدُ رؤساء السنغال السابقين، وقد هاجر منها… وذلك في لقاء حول قضايا فرنكوفونية وفي قناة أجنبية.
ـ ماذا تقول في أوضاع سنغال حاليا؟
فأجاب: أنه عاهد نفسه أو هواه ـ لا أدري ـ أن لا يتكلم في شؤون السنغال، ما بقي ميتا، أستغفر الله، حيّا!!
مما يدلّ على أنه قطع جميع الأواصر بيننا وبينه. نعم أتأسّف لهذا، لأنِّي ولدتُ وكان ذاك رئيسا لوطني، وترعرعتُ بين تردُّدات أمواج الإذاعة الوطنية تحمل إلينا اسمه بكرة وعشيا، حتي بلغت سن الرشد يافعا، وكنت أحسبه رئيسا وطنيّا لحكم سذاجة الطفولة، وتبيّن لي في الكهولة أنه ما كان إلا عميلا لأجنبيّ أو دخيلا خرج للتوّ.
إن هجرة الساسة في نظري من حيل التهرب من وخزات “انْغُرْ” و”جُومْ”!!
فلو كانوا يبقَون بين ظهرانينا وتطرُق أسماعَهم ـ صباحَ مساءَ ـ تبعاتُ ما قدّموا وآثار ما أخّروا لندموا. ولو علموا سلفا أنهم سيبقون في البلاد بعد حكمهم لما تجرّأوا على بعض ما يفعلون.
وهذا مشروعٌ قانونيٌّ أو مراسيم أو بنودٌ تشريعيّة ـ لا أدري ـ أقدِّمه إلى المجلس الوطني بنوَّابه، صغتُه كما أحسستُه، ولكُم مدارسته وتفويضه إلى خبراء القانون والمتخصّصين فيه علَّهم يعدِّلون أودَه ويسوُّون عوَجه. ثم تصوِّتون لصالحه، إن رأيتم جدارتَها، أو تقترحون خيرا منها… لعلنا نخرج من ظلمات التخلف الاستحماري إلى نور التقدم الإفريقي السنغالي.. وما ذلك بمستحيل.

 

المواطن/ أحمد جه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.