أبحاث ومنشوراتتربيةثقافةشخصيات وأعلاممجتمعمحليمقالات

القاضي عمر فال 1555- 1639م في ذاكرة خدمة التراث الإسلامي والأدب العربي في السنغال

الباحث/ الحسين كان الفوتي

توطئة:

إن الشيوخ في القارة الإفريقية لعبوا دورا كبيرا في نشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية، وكان لهؤلاء الشيوخ لمساتهم الطيبة في كل جوانب الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية، ومن أولئك الأفذاذ الذين يدين لهم ذاكرة الشعب السنغالي كل معاني الإجلال والحفارة العلامة القاضي عمر فال عليه من الله شآبيب الرحمة .

وقبل الولوج في العمل النهضوي الذي أداه هذا الشيخ على الأصعدة الفكرية والثقافية والاجتماعية والدينية، يحسن بنا أن نؤطر حديثنا بمقدمات تضع القارئ العزيز على سياق يسهل التقاط الخطوط العريضة.

مقدمات:

  • دخل الإسلام في السنغال في وقت مبكر، وصاحبه انتشار اللغة العربية وثقافتها [1].
  • ويعتبر تأسيس رباط عبد الله بن ياسين في جزيرة اندر[1013-1053م] أول بادرة رسمية في تركيز دعائم الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في هذه المناطق [2].

منافذ انتشار الثقافة العربية الإسلامية في السنغال:

  • دور الشيوخ؛
  • المراكز العلمية؛
  • البعثات الإسلامية؛
  • الجمعيات الإسلامية؛
  • المنصفات والمؤلفات العلمية [3]؛
  • والحديث عن جهود الشيخ يأخذ بُعديْن: جهوده كشيخ، وجهوده كمؤسس جامعة بير.

شذرات من تاريخ الشيخ:

  • هو عمر بن باتي بن كولي بن مَا نْدسِتْ فالْ – Ma Ndesséte Fall الأخ الكبير للدميل[4] هَمَرِ انكونى المسبّب الحقيقي في نيل كَجورْ على استقلالها عن جولوف [5].
  • فال لقب للشماليين وهو محرف من (الفاضل).
  • ولد سنة 1555 في ديمات بفوتا طورو شمال السنغال.
  • تلقى مبادى العلم والتربية الإسلامية من والده، ثم تعلم في محاضر تيكان، وقاني.
  • التحق بمحضرة الشيخ مصطفى باه بموريتانيا.
  • بعد رجوعه إلى فوتا تزوج من “خديجة لوين” فرزق منها: سمب عمر، انجاي عمر، ودمبا عمر.
  • وتزوج بثانية تدعى “عائشة كان بنت إلمان كان” ورزق منها: يرو، وممر.
  • أنشأ محظرة عظمى في تيكان، وأدى دورا في مجال التعليم يفد إليه الطلاب من كل فج عميق لعدة سنوات .

انتقال الشيخ من فوتا إلى كجور:

ترك الشيخ منطقة فوتا طوروا وتوجه صوب كجور حيث أجداده لعوامل منها:

  • استمرار هيجان الفتن في المنطقة بالتزامن مع حكم الحسانيين ²الذين عاثوا نهبا وخطفا وفسادا، والعالم يحتاج إلى مكان مستقر لأداء رسالته [6].
  • ارتباطه دمويا بحكام كجور من جهة أبيه وجده مَا نْدسِتْ فالْ الذي ترك كجور مغاضبا عليه إثر خلاف مع الأسرة المالكة، فاتجه مَا نْدسِتْ إلى منطقة فوتو طور؛ وكان لهذا الارتباط أثره الطيب في الحفاوة به من طرف ملك كجور – حينئذ – “دميل مَخُريجا كولي ” الذي أدرك أن هدف الشيخ لم يكن إلا نشر العلم والدين، لا البحث عن مآثر أجداده، وعلى هذا فقد خيره الملك في أن يختار أي مكان يراه مناسبا، فاختار الشيخ ما يعرف اليوم بمدينة – بير الواقعة بين تيواون واندر.

تأسيس جامعة بير[7]:

  • أسس الشيخ جامعة بير سنة 1628م، واستدعى علماء من فوتا طورو ليتولوا التدريس فيها[8]، فعمت شهرته في المنطقة وأصبح الناس يفدون إليه من نواح بعيدة [9]لحضور جلساته العلمية، وخاصة مجلس تفسير القرآن الكريم [10].
  • وكان الشيخ يتحمل عن طلابه الغذاء والمشرب والملبس والمسكن، مقابل العمل في الحقول التي توفر المئونة اللازمة لتسيير نفقات المركز [11].

مراحل الدراسة في الجامعة [12]:

مراحل التعلم

المنهج المقرر (يفسر للطالب باللغة المحلية)

التكوين الأساسي

تعلم التهجي السليم

المرحلة الثانية

تعلم العلوم العربية بما فيها مقصور بن دريد، ولامية الشنفرى، والمعلقات السبع، والآجرومية، وملحة الإعراب، ولامية الأفعال…

تعلم العلوم الإسلامية كمتن الأخضري، ولعشماوي، ومقدمة العزية، والرسالة، ومختصر خليل…

الدراسات العليا

المنطق، التصوف، أصول الفقه، البلاغة، العروض، التفسير…

 إنجازات الجامعة:

لهذه الجامعة أثرٌ كبير مباركٌ واسع في نشر العلم، وخصوصًا فنّ النّحو وعلوم القرآن والبلاغة، وقد ظلت لمدة طويلة مركزا ثقافيا دينيا، ينير العقول والأذهان، وتعمل على نشر الثقافة العربية الإسلامية، ومن جملة نتائجها:

  • تخريج العديد من مشايخ وعلماء السنغال؛ وذلك أمثال الشيخ سليمان بال، والشيخ عبد القادر كان [13]، الشيخ مختار نُومْبِ جُوبْ، والشيخ عمر الفوتي تال، والشيخ مباجاخو باه.
  • كانت القاعدة الخلفية للثورة الإسلامية التي عرفتها منطقة فوتا تورو، حيث أن فكرة تأسيس دولة إسلامية بمنطقة فوتا تورو تم إنضاجها في جامعة بير حين كان مؤسسو هذه الدولة يتلقون تعليهم بالجامعة [14].
  • معظم المراكز العلمية في السنغال أسسها خريجو هذه الجامعة، أو من تخرج من أيديهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

محرقة جامعة بير:

تنبه الاستعمار الفرنسي إلى الدور المتعاظم لهذه الجامعة وتكوينه جيلا متميزا من الزعماء الدينيين الذين قادوا طلائع حركات الدعوة الإسلامية في السنغال من القرن الـ17 إلى الـ19، فقد عمد الجنرال فيدربه الغازي المستعمر فرعون فرنسا وطاعون إفريقيا إلى إحراق الجامعة والمدينة تحت قيادة بينى لابراد –Pinet Laprade سنة 1864م؛ بتهم ملفقة تتعلق بدور مزعوم للجامعة في إيواء المجاهدين ووجود مخابئ أسلحة المجاهدين بداخلها. وقد أتلفت عملية الحرق الكثير من المخطوطات النفسية للجامعة [15]، كما طردوا الطلبة، ونكلوا بالأساتذة [16]. فيا سبحان الله .

والجدير بالذكر أن شعلة الجامعة لم تنطفئ فقد ورثتها عشرات المدارس الأخرى، التي أقامها خريجوها، أو أبناؤهم وأحفادهم في كل أنحاء سنغامبيا، كمدرسة كوكي التي تأسست خلال القرن الثامن عشر الميلادي على يد الشيخ مختار اندومب، وكجامعة جِلُونْ الخيّرة المشهورة المباركة وشيخها العلامة المفسّر الشهير تفسير ماصَنْمْبَ تَشَامْ خريج بير [17].

وفاته:

توفي الشيخ العلامة القاضي عمر فال – رحمه الله – سنة 1639م في مدينة بير العريقة تاركا آثارا خالدة، وتراثا ثمينا في العلوم والمعارف، وفي أشخاص حملوا رايتها الخفاقة، فظلت مدرسة بير علما بارزا وطودا شمخا لإبراز هذه المعملة الحضارية التراثية الخالدة [18].

وقد رثاه المرحوم “شيخ تيجان غاي” بهذه الأبيات الرائعة:

سَيْرٌ بِجِدٍّ فِي دُرُوبٍ يفْتَخِرْ

 

بِمَآثِر السَّارِينَ فِيهَا مَنْ خَبَرْ

جَهْلٌ يزَاحُ بِدَرْسِ عِلْمٍ قَدْ سُطِرْ

 

بِمُدَرِّسٍ فِي الْعِلْمِ كَالْقَاضِي عُمَرْ

إِنْ لَمْ نَكُنْ فِي الصِّدْقِ كَالشَيْخِ عُمَرْ

 

أَوْ لَمْ نَكُنْ فِي الْعِلْمِ كَالْقَاضِي عُمَرْ

نُصْبِحْ أُنَاسًا فِي الْمَحَافِلِ نُحْتقَرْ

 

وَنَظَلُّ دَوْمًا عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرْ

فَاعْلَمْ بِأَنَّ الْعِلْمَ مِنْ قبْلُ اسْتقَرْ

 

مِنْ غَيْرِ مَا شَكٍّ لَدَى أَحْضَانِ بِرْ[19]

 

 

 

خاتمة:

يعد القاضي عمر فال من مجددي نهج التعليم والتدريس، وواحدا من دعاة الإصلاح وأعلام النهضة الإسلامية، فقد ساهم بعلمه ووعيه واجتهاده في تحرير العقل السنغالي من الجمود الذي أصابه عدة قرون، وشارك طلابه في تأسيس الجامعات والكتاتيب والمدراس في جميع ضواحي البلاد [20].

وكما قال الدكتور مختار جيي فإن اللغة العربية رافقت الإسلام فكانا كعملتين، فحيثما ظهر الإسلام كان بجانب اللغة العربية، وقد اعتنق الشعب السنغالي الإسلام واللغة العربية فأحبها وتأثر بها وذلك في كل مظاهر حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وخاصة في حياته الروحية.

وصلى الله على سيدنا محمد وسلم

[1] – اللغة العربية في نظام التعليم السنغالي، الحاج موسى فال، ص: 27.

[2] – مفتاح الثقافة في تاريخ فولبي ومشاهير فوتا، أحمد مختار كان، ص: 492.

[3] – راجع مقال الدكتور مختار جيي ” الإسلام وأهم العوامل المؤثرة في نشر الثقافة العربية في السنغال”، نشر في موقع (غرب إعلام برؤية وطن)

[4] – الدميل لقب يطلق على ملوك كجور

[5] – دراسة تاريخ وحضارة الشعوب الإسلامية في السودان الغربي من خلال كتاب زهور البساتين، أحمد انداك لوح، ص: 490

[6] – إن مقر الشيخ في قاني تعرضت لهجوم الحسانيين بعد انتصارهم على المرابطين [الثقافة العربية الإسلامية في غرب أفريقيا، د. عمر صالح باه، ص: 191]

[7] – ويرى جورتي سيسي أن تأسيس أول جامعة إسلامية بالمعنى الصحيح على التراب السنغالي هي جامعة بير الإسلامية التي أسسها القاضي عمر فال [السنغال والثقافة الإسلامية، ص: 26]

[8] – أثر التعليم الإسلامي والعلماني في الإنسان السنغالي، د. شيخ صمب، ص: 19

[9] – ومن أسباب كثرة الإقبال عليه تغير الأوضاع في بلاد شنقيط، بوجود عصابات تقطع سبل عابري السبيل، حيث لم يعودوا ينعمون بنفس ظروف الأمان التي كانت بالأمس.

[10] – وكان أحدهم عندما يسأل: إلى أين أنت ذاهب؟ يجيب قائلا: إلى بِرِمَا، التي تعني باللهجة الولوفية: مجلس التفسير، من هنا جاءت تسمية منطقة بير [تاريخ المدارس القرآنية في غرب أفريقيا، محمد جوب، ص: 11]

[11] – دراسة تاريخ وحضارة الشعوب الإسلامية في السودان الغربي ، انداك لوح، ص: 493

[12] – جهود علماء السنغال في خدمة المذهب الأشعري، محمد بشرى جيي، ص: 46-47.

[13] – وتجدر الإشارة إلى أن الشيخين سليمان بال، وعبد القادر تلقوا تعليمهم الأساسي في محاضر فوتا وشنقيط، واكتسبا بذلك زادا كبيرا من العلوم الإسلامية قبل التحاقهما بجامعة بير [الثقافة العربية الإسلامية في غرب أفريقيا، ص: 192 إلى ما بعدها]

[14] – راجع الثقافة العربية الإسلامية في غرب أفريقيا، ص: 192-193

[15] – ولما علم شيخ الجامعة مختار نومْبِ وبوبكر بنْدَ ييري الذي كان يحكم المنطقة باسم لَتْجورْ بمقدم جيوش الغزاة، أمرا السكان بإخلاء البلدة، ونقل ما استطاعوا من ذخائر الكتب إلى ساج –Saadjo، التي سترث بير بعد تخريبها، وأما الجزء الباقي الذي لم يتمكنوا من حملها فقد تم دفنها في مكان بقرب الجامع، معروف لدى السكان، وذلك حتى لا تدنسها أقدام الغزاة، أو تصيبها نيران أسلحتهم.  [تاريخ المدارس القرآنية، محمد جوف، ص: 84]

[16] – راجع كلا من [أعلام الهدى بغرب أفريقيا، محمد جوف، ص: 54]، و[لمحات عن الهوية الإسلامية في السنغال، إسماعيل ديم، ص:3]

[17] – أعلام الهدي، ص:55.

[18] – جهود علماء السنغال في خدمة المذهب الأشعري، محمد بشرى جيي، ص: 48

[19]  – من ديوان وحي الواقع، ص: 42.

[20] – جهود علماء السنغال في العلوم العربية والإسلامية، أحمد الخديم لوح، ص: 195

 

الحسين كان الفوتي [دكار – بكين 15/04/2020]

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق