منهج نبي الله لوط في محاربة الفاحشة وتطهير المجتمع

بقلم الدكتور/ انجوغو امباكي صمب

من المقاصد العامة للدعوة الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاربة الرذائل وتطهير المجتمعات من الفئات البشرية الشاذة في أخلاقها وسلوكها وأنماط حياتها، ومطاردة عصابات الإجرام والفساد وملاحقتهم، وذلك لما يترتب على تمكنهم في الأرض من المفاسد والأضرار الدينية والدنيوية، وإذا تأملنا في تاريخ دعوة نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام ومواجهته للطبقة المنحلة خلقيا من قومه يمكن أن نستفيد من جملة مواعظه ومجادلاته نظرية متكاملة في طرق محاربة الرذائل والمنكرات الخلقية .

  • حيث بين لهم عليه الصلاة والسلام في أول الأمر قبح صنيعهم وفساد طباعهم، قال تعالى { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }[1]، قال الطبري ((يخبر بذلك تعالى ذكره عن لوط أنه قال لقومه، توبيخًا منه لهم على فعلهم: إنكم، أيها القوم، لتأتون الرجال في أدبارهم، شهوة منكم لذلك، من دون الذي أباحه الله لكم وأحلَّه من النساء { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }، يقول: إنكم لقوم تأتون ما حرَّم الله عليكم، وتعصونه بفعلكم هذا )) [2]وقال تعالى {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ }[3]،  (( والقالي: التارك للشيء الكاره له غاية الكراهة)) [4] .
  • ثم دعاهم عليه الصلاة والسلام إلى التعقل والتبصر في مآلات هذه الفعلة الشنيعة، قال تعالى { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [5]، وقوله تعالى { وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} : (( أى: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، وأن الله إنما خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادّة لله في حكمته وحكمه، وعلمكم بذلك أعظم لذنوبكم وأدخل في القبح والسماجة…، أو تبصرونها بعضكم من بعض، لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معلنين بها، لا يتستر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة)) [6]، وقوله تعالى { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}: قال ابن كثير رحمه الله ((: لا تعرفون شيئا لا طبعا ولا شرعا ))[7] .
  • وعرض عليه الصلاة والسلام عليهم البدائل الشرعية والتدابير الفطرية، فيقول لهم {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ } [8]، وقوله تعالى { وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ } : ((جاء في التفسير : ويقْطَعونَ سبيلَ الوَلَدِ، وقيل: يعترضون الناسَ في الطرُقِ لِطلَب الفَاحِشة )) [9]، وكلا الأمرين حاصل، لأنهم بهذا الصنيع يقطعون سبيل الولد، فيصرفون مائهم في غير مواضعها الطبيعية وهي فروج النساء وأرحامهم، ويتحاشى الناس مجالسهم ونواديهم التي يجتمعون فيها ويدعون من مر بهم إلى جالسهم إلى فعلهم القبيح، وقال لهم { يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ }[10]، وقال لهم { هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ }[11]، قال ابن كثير رحمه الله ((يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد للرجال والنساء، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة )) [12] .
  • ونهاهم عليه الصلاة والسلام عن التجمع وينكر عليهم اتخاذ النوادي لفعل هذا المنكر وتوسيع رقعته، واستقطاب المنحرفين، والبحث عن غطاء شعبي أو سند قانوني، فيقول لهم { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر}[13].
  • فلما لم يتذكروا واستمروا في سكرتهم يعمهون دعا الله عليهم، قال تعالى { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ }[14]، وقال تعالى { وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ }[15] .

هكذا تعامل نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام مع أبشع الفواحش لما انتشرت بين قومه، في خطوات منهجية حكيمة، قوامها الحكمة والموعظة الحسنة والحوار البناء، يمكن للدعاة استدعائها دائما وأبدا في معركتهم مع الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا من حكومات أو برلمانات أو جمعيات، والله ولي التوفيق والسداد .

 

[1] سورة الأعراف ، الآيتان 80 ، 81

[2] جامع البيان ، 12 / 547

[3] سورة الشعراء ، الآية 168

[4] معاني القرآن وإعرابه ، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج ، 4/99 ، الناشر عالم الكتب –بيروت 1408 هـ

[5] سورة النمل ، الآيتان 54 ، 55

[6] الكشاف عن غوامض حقائق التنزيل ، تأليف أبو القاسم محمود بن عمور الزمخشري ، 3/373 ، الناشر دار الكتاب العربي –بيروت 1407 هـ 

[7] تفسير القرآن العظيم ، 6/ 200

[8] سورة العنكبوت ، الآية 29

[9] معاني القرآن وإعرابه للزجاج ، 4/ 168

[10] سورة هود ، الآية 78

[11] سورة الحجر ، الآية 71

[12] تفسير القرآن العظيم ، 4/337

[13] سورة العنكبوت ، الآية 29

[14] سورة العنكبوت ، الآيتان 29 ، 30

[15] سورة الأنبياء ، الآية 74

تعليق 1
  1. غير معروف يقول

    ما شاء الله فضيلة الدكتور سدد الله خطاكم وحقق أمنياتكم صراحة إستفدنا كثيراً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.