حركات وأحزاب إسلامية

نحو حل لأزمة العقل الحركي

(*) موسى نياغ

 

تقع على عاتق الحركة الإسلامية اليوم واجب إيقاظ باقي الأمة من سباتها العميق وإيجاد موطئ قدم لها في موكب الزحف الفكري والعلمي العالمي ومعترك التدافع الحضاري الإنساني، وذلك بإثبات جدارة الفكر الإسلامي على مواجهة الغزو الفكري  وتقديم حلول ناجعة للمشاكل التي تعاني منها الإنسانية التعيسة، وبالسعي الحثيث والدائب لإلغاء الفجوة القائمة بين مثال الدين وواقع المسلمين وتمكين الهدي الرباني في الأرض، عقيدة وشريعة وسلوكا وثقافة وحضارة و ريادة.

 إن واجب الإصلاح العام الذي تصدت له الحركة الإسلامية يفرض عليها بقوة اجتياز فحص الجدارة واللياقة بنجاح، لأن العليل لا يعالج عليلا، ولأن الطبيب السقيم لا تنتظر منه وصفة دواء ناجعة  لعلاج غيره، ناهيك عن حل مشاكله وبعث الحياة في نفسه. فالمسألة مهمة والقضية جد خطيرة. إنه لن تبرأ الأمة ما لم يبرأ مصلحوها ودعاتها، ولن تنطلق نحو محطات القيادة والتقرير لنفسها ما لم ترشد خيارات واستراتيجيات حركييها.

ومن هذه الزاوية يجب النظر إلى هذه السطور إلى أنها ليست محاولة للنقد أو الانتقاص  من أية حركة من الحركات أو إلى أي رجل من رجالها. فلرجال الحركة قدرهم المعروف في قلوبنا، وللحركات الإسلامية جهودها المستعصية على الكفران والجحود في الدفاع عن الإسلام في بلادها وحماية بيضتها من يد الأعداء في الخارج، ولكنها صيحة إنذار وصرخة استنفار من شاب عايش فترة من هذه الأزمة واكتوى بسعير نارها وناله من آثارها المدمرة ما كاد يرسو به في شواطئ اليأس والإحباط، لولا الإيمان بالوعد الإلهي في التمكين والاستخلاف والنصر.

إنها محاولة لإثارة حوار موضوعي يستهدف تشخيص الداء وحصر العقبات لرفع الستار، عن الأسباب الموضوعية التي تمنع الحركة الإسلامية في كثير من البلدان، من الانطلاق نحو تحقيق أهدافها وغاياتها، وعن القيود المثبطة التي تحبسها منذ عقود في حلقة مفرغة تدور حولها بعيدا عن التأثير والتقرير. و سنبدأ بتناول بعض مظاهر الأزمة.

من مظاهر أزمة العقل الحركي

إن كل أزمة تنبئ عن حالة مرضية متقدمة أو صعوبات جد شائكة تدل عليها مجموعة من الأعراض والأمارات، وأزمة العقل الحركي تعبير عن واقع عسير في بعض مظاهرها، وعن داء عضال في بعضها الآخر. ومن تلك المظاهر:

 1 – التشرذم والتفرق المذموم :

إن من أولويات مراكز الرصد الفكري في الدول الغربية للتحرك الإسلامي العالمي العمل على تشتيت المجهود الإصلاحي الإسلامي والسعي دون توحد الفكر الحركي الإسلامي، ومن شأن ذالك التقليل من القدرة  التأثيرية للحركة الإسلامية والتقليص من فعالية نشاطاتها وبرامجها. إن كل مشروع إصلاحي جاد يتطلب قدرات وطاقات وإمكانيات هائلة لتجسيده على أرض الواقع، وليس بوسع أية حركة إسلامية واحدة، مهما بلغت قوتها ورقعة انتشارها ودرجة أداءها أن توفر جميع تلك الطاقات والقدرات والإمكانيات، الأمر الذي يلزم المنتسبين إلى الحركة الإسلامية الالتقاء والتعاون في إطارات تنظيمية أوسع وأقوى. إنه من المؤسف انقسام الجهد الحركي الإسلامي إلى كيانات متجزئة ومتعددة لا يربط بينها أي رابط تنسيقي أو إطار تعاوني، لمنع الجهد الإسلامي من التكرار والتجزؤ والإهدار، والانخراط به في ديناميكية وديمومة الجهد الموحد والحل الشامل الناجع. ويتعاظم الحزن والأسى عندما تتحول هذه الكيانات إلى وسائل للتقاطع والتنافس غير الشريف وتبادل الاتهامات ونشر الإشاعات والنيل من حرمة الأعراض والأشخاص، حيث يتموقع كل كيان في محيطه مدعيا احتكار الحقيقة وتمثيل أهل السنة والجماعة ناسيا أو متناسيا نسبية الموقع من الحقيقة وسعة مفهوم أهل السنة والجماعة.

هذا في الوقت الذي يتجه فيه كل القوى والحركات إلى التكتل والتعاضد نظرا لجسامة التحديات التي تواجه الإنسانية وعجز الحلول الفردية والطائفية في رفع التحدي، وتماشيا مع حركة التاريخ.

إن تعدد الجماعات الإسلامية وغياب التنسيق والتعاون فيما بينها قد تؤدي مع مرور الزمن وتجدد الولاءات الضيقة إلى آثار سلبية لا تحمد عقباها، إلى أمراض نفسية قد تعجز مناهج التزكية والتربية الحركية عن علاجها واستئصالها، مثل الأنانية وحب الزعامة والعجب بالنفس والغيرة وازدراء الآخرين و التسلط والاستبداد. ولعل هذا ما يبرر نداء المنظر الحركي الإسلامي القدير الأستاذ محمد أحمد الراشد، حين يقول في كتابه {{المنطلق}}: {{ ….فهذه الجماعات مدعوة ، أينما وجدت ، في شمال أفريقيا أو في شرقها أو غربها، أو في منطقتنا هذه ، أو في بلاد الأفغان ، أو جنوب شرقي آسيا، إلى أن يراجع أفرادها أنفسهم ، فيصححوا عقائدهم إن كان فيها نوع بدع، ويعلوا هممهم إن كان يعتريهم نوع خوف، ويتخلوا عن الأنانية وحب التزعم إن كان قد ولدهما فيهم طول العمل في تجمعات صغيرة، ثم يبايعوا حرا يتميز بهم في حركة إسلامية واضحة الهدف التغييري، متينة التوجيه التربوي، رصينة الصف التنظيمي.}}.

وإذا كنا نتحدث عن الحركة الإسلامية بالإفراد، فإننا نقصد بها جميع الجهود المبذولة الجادة والمنظمة لإعادة مجتمع الإيمان وسلطان الإسلام إلى حيز الوجود والتمكين.

إن على العقل الحركي أن يسمو نحو  مدارج الفقه الفكري، ويتجاوز حدود الجماعات المحدودة والولاءات الضيقة لينتظم في تجمعات أوسع وأقدر على رفع التحدي الفكري الحضاري، ومسايرة الظروف المتغيرة باطراد على أساس المبادئ والمقاصد والغايات الكبرى لديننا الحنيف.    

(*)مفتش التعليم العربي    Email : mouniang72@yahoo.fr    

 

 

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق