أبحاث ومنشورات

معرفة الله تعالى مفهومها ، وطرقها ، وآثارها في الحياة .

 

(*) انجوغو صمب

مقدمة .

بسم الله الرحمن الرحيم .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف اللأنبياء المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فهذا بحث حول موضوع معرفة الله تعالى : مفهومها ، وطرقها ، وآثارها في الحياة ، والباعث عليه هو ما انتشر بين الناس من دعاوى معرفة الله تعالى والوصول إليه من قبل طوائف وأفراد ، جعلوا شعارهم حب الله تعالى والفناء فيه ، ومقصدهم وغايتهم معرفة الله تعالى وتعريف الناس به ، والوصول إليه والإيصال إليه سبحانه فيما يزعمون ، ويسلكون في ذلك طرائق قددا ، يفنون فيها الأوقات ، ويسلكون فيها من اتبعهم من الناشئة والعوام من المتنسكة والعباد .
ولما تأملت في أقوال هؤلاء وأفعالهم ، واستمعت إلى بعض دعاتهم ومنظريهم ، وجدت أنهم في الحقيقة عن ربهم لمحجوبون ، وعن سماع هدي الكتاب والسنة لمعزولون ، وعن هدي السلف الصالح لناكبون .
فاستعنت بالله العلي القدير على تقييد كلمات موجزة لبيان معنى معرفة الله تعالى ، وما الطريق الشرعي المؤدي إليه ، والثمرات المرجوة من حصولها ، وذلك في ضوء الكتاب والسنة وفهم الصلف الصالح رحمهم الله .
معنى معرفة الله في ضوء الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة .
هناك تعريفات كثيرة من العلماء لمعرفة الله تعالى ومنها يلي :
التعريف الأول : تعريف الإمام شمس الدين أبي العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني: قال رحمه الله : (( هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُودِ ذَاتِهِ – تَعَالَى – بِصِفَاتِ الْكَمَالِ ، دُونَ مَعْرِفَةِ حَقِيقِيَّةِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ …)) .
التعريف الثاني : تعريف الشيخ حافظ الحكمي ، قال رحمه الله :
إذ هو من كل الأمور أعظم
وهو نوعان أيا من يفهم

اثبات ذات الرب جل وعلا
أسمائه الحسنى صفاته العلى

ومن الجدير بالتنبيه أن العلماء يقصدون بالمعرفة تلك حدها الممكن يدركون به ويعلمون علم اليقين بوجود ذاته العلية ، وكونه هو الرب المعبود ، المتصف بجميع صفات الكمال ، والمتنزه عن صفات النقص ، ادراكا وعلما يستوجبان عبادته وحده لا شريك له ، فلا يستطيع البشر إدراك حقيقة ذات الله تعالى ، ولا كيفية أسمائه وصفاته ، وذلك لا يعني الجهل به سبحانه ، وإنما نفي الإدراك والإحاطة وهما مستحيلان في حقه سبحانه وتعالى ، قال تعالى { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} .
والجهل بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وحقه على العباد مما ينافي الشهادة بأن لا إله إلا الله ، وأول شرط من شروطها هو العلم ، (( فَمن تلفظ بهَا وَهُوَ لَا يعرف مَعْنَاهَا ومقتضاها فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعهُ لِأَنَّهُ لم يعْتَقد مَا تدل عَلَيْهِ كَالَّذي يتَكَلَّم بلغَة لَا يفهمها )) .
و المعرفة بالله تعالى هي أول واجب على المكلفين ، قال عز وجل تعالى{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } .
وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه إلى اليمن ((إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ )) .
وقال السفاريني رحمه الله :
أول واجب على العبيد
معرفة الإلـــــه بالتسديد

بأنه واحد لا نظير
له ولا شبه ولا وزير

وقال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله تعالى :
أول واجب على العبيد
معرفة الرحمن بالتوحيد

إذ هو من كل الأمور أعظم
وهو نوعان أيا من يفهم

وقال الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى (( أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ مُسْلِمٍ بَلَغَ، أَوْ كَافِرٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلاَمِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ )) .
والمعرفة بالله تعالى هي أساس دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، قال تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } .
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله (( فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله )) .
ومعرفة الله أيضا هي أجل مقاصد المكلفين وغاية المؤمنين العابدين ، فكلما يعتقده المؤمن ويعمل به في جوارحه ، ويتحلى به من الفضائل فلأجل تحقيق هذا المقصد الجليل ، قال ابن القيم رحمه الله ((وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة )) .
الطرق الشرعية لمعرفة الله تعالى .
لما كانت معرفة الله تعالى بهذه الأهمية والخطورة ، وجب علينا أن نسأل أنفسنا كيف نتعرف على ربنا ؟؟؟
فأما كيف نتعرف على الله تعالى معرفة صحيحة سليمة فيكون بالأمور التالية :
1- قراءة القرآن الكريم وتدبره : وهو كلام الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أنزل الله فيه آيات بينات ، تعرف بالله تعالى وتعلم بأسمائه وصفاته ، وتدعو إلى التأمل في آيات الله ودلائل قدرته في الأنفس والآفاق ، ومن أعظم الآيات المتضمنة على التعريف بالله تعالى آية الكرسي وهي أعظم آية في كتاب الله وهي قوله تعالى { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } ، وخواتيم سورة الحشر ، وهي قوله تعالى { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } ، و سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ، وكل آياتها في التعريف بالله تعالى والدلالة على وحدانيته سبحانه ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ )) ، وقال بعض أهل العلم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((تعدل ثلث القرآن )) أي : (( تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَوْجِيهَ الِاعْتِقَادِ وَصِدْقَ الْمَعْرِفَةِ وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ وَنَفْيَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الْمُقَرِّرَ لِكَمَالِ الْمَعْنَى وَنَفْيَ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنَ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ وَهَذِهِ مجامع التَّوْحِيدِ الِاعْتِقَادِيِّ ، وَلِذَلِكَ عَادَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ وَالْخَبَرُ خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ ، فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا مِنَ الشِّرْكِ الِاعْتِقَادِيِّ)) .
2- تعلم الأحاديث النبوية الشريفة : وهي ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال و الأفعال والصفات ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بالله ، وقد دعا الناس إلى الإيمان بالله تعالى وأخبرهم بأسماءه الحسنى وصفاته العليا ، قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله (( وأجمعوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا جميع الخلق إلى معرفة الله وإلى نبوته، ونهاهم عن الجهل بالله عز وجل وعن تكذيبه)) ، ومصداق ذلك ما رواه أَبو مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ )) .
3- الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا ، وذلك بإثبات ما أثبته الله تعالى ، وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم من تلك الأسماء الحسنى والصفات والصفات ، من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ، قال تعالى { َلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، وقال عزوجل {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، وبعد الإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العليا يأتي أمر آخر يغفل عنه كثير من الناس ، وهو إحصاء هذه الأسماء والصفات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ )) ، ولإحصاء إسماء الله تعالى ثلاث مراتب وهي ((المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها، وأسمائها، وعددها ، المرتبة الثانية: فهم معانيها، ومدلولها ، المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما في الآية، وهو نوعان: دعاء ثناء وعبادة، ودعاء طلب ومسألة)) .
4- التأمل في آيات الله الأفقية ، وذلك بإعمال الفكر في إتقانها وجودتها ودلالتها على الخالق العظيم سبحانه وتعالى ، قال تعالى { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} ، قال النسفي رحمه الله (( تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره ، حيث هي مدحوة كالبساط لما فوقها ، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها ، وهي مجزأة : فمن سهل ، ومن جبل ، وصلبة ، ورخوة وعداة ، وسبخة ، وفيها عيون منفجرة ، ومعادن مفننة ، ودواب مبثة ، مختلفة الصور والأشكال ، متباينة الهيئات والأفعال )) .
وقال تعالى { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } ، قال الرازي رحمه الله تعالى ((وَفِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِآيَاتِ الْآفَاقِ الْآيَاتُ الْفَلَكِيَّةُ وَالْكَوْكَبِيَّةُ وَآيَاتُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَآيَاتُ الْأَضْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ وَالظُّلُمَاتِ وَآيَاتُ عَالَمِ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ وَآيَاتُ الْمَوَالِيدِ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ أَكْثَرَ اللَّهُ مِنْهَا فِي الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ وَفِي أَنْفُسِهِمْ الْمُرَادُ مِنْهَا الدَّلَائِلُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ كَيْفِيَّةِ تَكَوُّنِ الْأَجِنَّةِ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَحُدُوثِ الْأَعْضَاءِ الْعَجِيبَةِ وَالتَّرْكِيبَاتِ الْغَرِيبَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} ، يَعْنِي نُرِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الدَّلَائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ تَزُولَ الشُّبُهَاتُ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَيَحْصُلَ فِيهَا الْجَزْمُ وَالْقَطْعُ بِوُجُودِ الْإِلَهِ الْقَادِرِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْمُنَزَّهِ عَنِ الْمِثْلِ وَالضِّدِّ … وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِآيَاتِ الْآفَاقِ فَتْحُ الْبِلَادِ الْمُحِيطَةِ بِمَكَّةَ وَبِآيَاتِ أَنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ))
5- التبصر في آيات الله في الأنفس ، وذلك بملاحظة مظاهر قدرة الله وعظمته وعلمه المحيط بكل ذرة في النفس الإنسانية ، قال تعالى { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } ، قال الشوكاني رحمه الله تعالى (( أَيْ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَصِدْقِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَإِنَّهُ خَلَقَهُمْ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا إِلَى أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ بَعْدَ ذلك صورهم وألوانهم وطبائعهم وألسنتهم، ثم نقش خَلْقِهِمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنِ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ وَعَظْمٍ وَأَعْضَاءٍ وَحَوَاسَّ وَمَجَارِي وَمَنَافِسَ. وَمَعْنَى أَفَلا تُبْصِرُونَ أَفَلَا تَنْظُرُونَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، فَتَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلَى الْخَالِقِ الرَّزَّاقِ الْمُتَفَرِّدِ بِالْأُلُوهِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ، وَأَنَّ وَعْدَهُ الْحَقُّ، وَقَوْلَهُ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا جَاءَتْ إِلَيْكُمْ بِهِ رُسُلُهُ هُوَ الْحَقِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ تَعْتَرِيهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ الْأَرْوَاحُ، أَيْ: وَفِي نُفُوسِكُمُ الَّتِي بِهَا حَيَاتُكُمْ آيَاتٌ )) ، وهذا فقط هو الطريق الشرعي للاستدلال بالنفس على الله وعلى وحدانية ، وثمرته هو الشهادة على النفس بالعبودية والافتقار على الله في كل صغير وكبير ، والشهادة بأن الله واحد لا شريك له ، وهو رب العالمين وخالقهم ، فلا يحل فيهم ، ولا يتحدون به سبحانه .
6- الاهتداء بما أودعه الله في الفطر السليمة من معرفة الله تعالى وتوحيده ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ )) ، وقد اختلف الشراح في معنى الفطرة والمراد منها ، ونقل الإمام النووي رحمه الله في ذلك أقوالا مختلفة لأهل العلم ، ومما نقله قول بعضهم (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِقْرَارِ بِهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ يُقِرُّ بِأَنَّ لَهُ صَانِعًا وَإِنْ سَمَّاهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ أَوْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ)) ، وهو عندي أصح مما رجحه الإمام النووي حين يقول رحمه الله ((وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُتَهَيِّئًا لِلْإِسْلَامِ فَمَنْ كَانَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهُمَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا)) .
والفطرة على كل حال إذا لم تتغير فإنها تهدي صاحبها إلى معرفة الله تعالى والإيمان به ، قال الشيخ محمد صالح العثيمين رحمه الله (( فالإنسان مفطور على معرفة ربه وأن له خالقا، وإن كان لا يهتدي إلى معرفة صفات الخالق عل التفصيل، لكن يعرف أن له خالقا كاملا من كل وجه )) .
فإن الله تعالى خلق الناس على الفطرة السليمة التي تهديه إلى الإيمان بوجود الله تعالى ، ووجوب توحيده ، والتضرع إليه والإستعانة والاستغاثة به ، قال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } ، وقال تعالى { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ … }
7- التفكر في المعجزات والآيات التي يظهرها الله على أيدي الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، قال ابن الوزير رحمه الله ((وَأما دلَالَة المعجزات فَهِيَ من أقوى الدلالات وأوضح الْآيَات … ، وعَلى كل حَال فالنبوات وآياتها الْبَيِّنَة ومعجزاتها الباهرة وخوارقها الدامغة أَمر كَبِير وبرهان مُنِير مَا طرق الْعَالم لَهُ معَارض أَلْبَتَّة خُصُوصا مَعَ قدمه وتواتره فَإِن آدم عَلَيْهِ السَّلَام أول الْبشر وأبوهم نَبِي مُرْسل إِلَى أَوْلَاده ثمَّ لم تزل رسل الله عز وَجل لترى مبشرين ومنذرين وعاضدين لفطرة الله الَّتِي فطر الْخلق عَلَيْهَا فَلَا أشفى وَلَا أَنْفَع من النّظر فِي كتبهمْ وآياتهم ومعجزاتهم وأحوالهم ثمَّ اعتضد ذَلِك بأمرين أَحدهمَا اسْتِمْرَار نصر الْأَنْبِيَاء فِي عَاقِبَة أَمرهم وإهلاك أعدائهم بِالْآيَاتِ الرائعة وَثَانِيهمَا سلامتهم واتباعهم ونجاتهم على الدَّوَام من نزُول الْعَذَاب عَلَيْهِم كَمَا نزل على أعدائهم وَلَا مرّة وَاحِدَة )) ، ثم قال رحمه الله تعالى (( ثمَّ يعتضد هَذَا بِمَا يُنَاسِبه من كرامات الصَّالِحين وعقوبات الظَّالِمين الْمَذْكُورَة فِي كتاب الله تَعَالَى والمتواترة والمشاهدة ثمَّ مَا وَقع من تكَرر نصر الله تَعَالَى للحق والمحقين وَإِنَّهُم وان ابتلوا فالعاقبة لَهُم)) .
8- الهداية التوفيقية من الله تعالى ، وهي توفيق العبد على الإيمان وتقديره له ، قال تعالى { قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، وقال تعالى { ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقال تعالى { وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}
قال ابن الوزير رحمه الله : (( ثمَّ الْيَقِين بعد هَذَا كُله من مواهب الله تَعَالَى فَإِن أنعم الله بِهِ عَلَيْك فَكُن من الشَّاكِرِينَ ، وَإِن عرض لَك الشَّك بعد هَذَا كُله فاحذر أَن يكون ذَلِك عُقُوبَة بذنب كَمَا نبه الله على ذَلِك بقوله {فَمَا كَانُوا ليؤمنوا بِمَا كذبُوا من قبل كَذَلِك يطبع الله على قُلُوب الْكَافرين } وَقَوله {سل بني إِسْرَائِيل كم آتَيْنَاهُم من آيَة بَيِّنَة وَمن يُبدل نعْمَة الله من بعد مَا جَاءَتْهُ فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب} )) .
رابعا : آثار المعرفة بالله تعالى .
وللمعرفة بالله تعالى آثار في الحياة الدنيا والآخرة ، وعلى مستوى الفرد والمجتمع ، قال الشيخ حسن البنا رحمه الله (( وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفهما الله في قلب من يشاء من عباده )) ، ويقول الشيخ عبد الكريم الزيدان رحمه الله تعالى معلقا : (( والإيمان الصادق هو الذي توفرت فيه معانيه ومنها خلوه من الشرك الخفي والرياء والضعف ، فهو يتخلل القلب ويرسخ في النفس ويحرك الجوارح في طاعة الله ن ويجعل الغائب كالحاضر المشاهد ويملأ النفس طمأنية وثباتا واستقرارا ، … )) .
وفيما يلي بعض الآثار الناتجة عن المعرفة بالله تعالى :
1- توحيد الله تعالى ، فأول ما يجنيه المرء من معرفة الله تعالى هو توحيده وإفراده بالعبادة ، فلن يتخذ لله ندا ولا شريكا ، ولا يخاف ضرا أو يرجو نفعا من غيره سبحانه ، قال تعالى حكاية عن نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو يناظر قومه { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} .
2- الانقياد والطاعة لله تعالى ، وهو من مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله وشروطه ، فمن عرف الله حقيقة المعرفة وآمن به إيمانا صحيحا انقاد وأسلم له ، وللسلف الصالح رحمهم الله آثار كثيرة في هذا المعنى الجليل ، قال ابن مسعود وغيره (( كفى بخشية الله علمًا ، وكفى بالاغترار بالله جهلاً )) ، وقيل للشعبي : أيها العالم! فقال: (( إنما العالم من يخشى الله )) ، و قال أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي رحمه الله : ((حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأُشْنَانِيُّ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْكَرْمَانِيُّ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ الرَّقِّيُّ رَسُولُ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطٍ فِي مَسَائِلَ كَتَبَ بِهَا إِلَى حُذَيْفَةَ الْمَرْعَشِيِّ؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ جَوَابَهَا: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَارِفًا بِاللهِ عَارِفًا بِنَفْسِهِ؛ الْعَارِفُ بِاللهِ الْمُطِيعُ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ، وَالْعَارِفُ بِنَفْسِهِ الَّذِي يَخَافُ مِنْ حَسَنَاتِهِ أَنْ لا تُقْبَلَ مِنْهُ )) .
ويدخل في الانقياد والطاعة الذي تثمره المعرفة بالله الحكم بما أنزل الله والكفر بالطاغوت ، فمن عرف الله تعالى ، وانقاد لطاعته ، آمن بأنه أحكم الحاكمين ، وأيقن بأنه لا أحسن منه حكما ، فإنه يحكم بما أنزل الله تعالى ويكفر بالجبت والطاغوت ، وينبذ القوانين والأنظمة المخالفة لحكم الله ، قال { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } ، قال الإمام الطبري رحمه الله (( ومَنْ هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقرُّ بربوبيته؟ يقول تعالى ذكره: أيّ حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربًّا، وكنتم أهل توحيدٍ وإقرار به؟ )) .
ولذلك كانت الدعوة إلى معرفة الله والإيمان به وتوحيده مقدمة على الدعوة إلى الصلاة والزكاة وإلى مكارم الأخلاق ، وفي حديث معاذ رضي الله عنه ((فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ … )) الحديث .
3- هداية القلب : قال تعالى { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ((عن ابن عباس قوله: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه )) ، وقال أبو بكر الورّاق: (( وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ عند النعمة والرخاء، فيعلم أنّها من فضل الله يَهْدِ قَلْبَهُ للشكر، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ عند الشدّة والبلاء فيعلم أنّها من عند الله يَهْدِ قَلْبَهُ للرضا والصبر)) وقال أبو عثمان الجيري كلاما جامعا مانعا ينتظم كل ما سبق من معان رائقة وزيادة: (( ومن صحّ إيمانه يَهْدِ قَلْبَهُ لاتباع السنّة)) ، وذلك بأن يرشده الله تعالى إلى ما يجب علمه والعمل به في كل حالة من الأحوال .
هذا ، ولا شك أن من هداية القلب ، محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } ، وقال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا } .
و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( َوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ))، ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
ومن هداية القلب : حسن الظن بالله تعالى ، قال تعالى{ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } ، وقال تعالى { ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .
ومن هداية القلب : مراقبة الله تعالى في السر والعلن ، قال تعالى { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} .
ومن هداية القلب : طمأنيته بذكر الله ، قال تعالى { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } .
ومن هداية القلب : سلامته من الفتن الظاهرة والباطنة ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا جَلَسْنَا إِلَيْهِ أَمْسِ سَأَلَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّكُمْ سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتَنِ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: لَسْتُ عَنْ تِلْكَ أَسْأَلُ، تِلْكَ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتَنِ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ إِيَّايَ يُرِيدُ، قُلْتُ: أَنَا، قَالَ لِي: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ قَالَ: قُلْتُ: (( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ عَرْضَ الْحَصِيرِ، فَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، حَتَّى يَصِيرَ الْقَلْبُ عَلَى قَلْبَيْنِ أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، لَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرِ أَسْوَدَ مُرْبَدٍّ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ـ وَأَمَالَ كَفَّهُ ـ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)) .
4- دخول الجنة ونيل رضوان الله تعالى .
قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا } ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى ((يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ السُّعَدَاءِ وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به، أن لَهُمْ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ)) .

وأخيرا : هذا ما تيسر جمعه وتقييده في هذه المسألة المهمة والخطيرة التي ضلت فيها أفهام ، وزلت فيها أقدام ، وتفرقت بالناس فيها السبل ، والمعصوم من ذلك كله من اهتدى بهدي الكتاب والسنة ، واقتدى بآثار السلف الصالح ، ونبذ كل ما خالفه من البدع المحدثة والأهواء المضلة ، جعلنا الله منهم ، أمين .
والله الموفق للصواب والهادي إلى سبيل الرشاد .

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق