اقتصاد

فرنك سيفا..  إصلاحات جذرية أم شكلية؟

عبد الرحمن خما

 

أعلن الرئيس الفرنسي ونظيره الحسن واتارا أمس في ساحل العاج، إثر زيارته الرسمية لهذه الدولة، عن تبديل عملة فرنك سيفا  بإيكو،  ويشمل هذا التغيير الدول الثمانية الأعضاء في منطقة فرنك سيفا، وهي دول الاتحاد النقدي لغرب أفريقيا دون الدول الأعضاء الستة الأخرى في وسط إفريقيا. ويمكن وصف هذه التغييرات بأنها جذرية وتاريخية، وقام وزير الاقتصاد الفرنسي BRUNO LE MIRE بتوقيع هذه الاتفاقيات.

وعند التأمل نري أن هذه التغييرات لا تلمس جوهر القضية،  ولا تضم- أيضا-جيع دول المنطقة ولقد تحققت فيها المقولة الشهيرة: سموه صدقة ونقبله جزية، بمعنى نزيل النقاط التي أثار الجدل والانتقادات اللاذعة من قبل هذه الشعوب أي الجانب السياسي دون النظامي والتقني.

 لنري ما الذي تغير وما الذي لم يتغير، وكيف تأثيرات هذه التغييرات على اقتصاديات هذه الدول.

ما الذي تغير؟

أولا: تغيير اسم العملية: بداية من يوليو 2020م ستتغير اسم هذه العملة من فرنك سيفا إلي ايكو، الاسم الذي اختاره umoa في المؤتمر الماضي الذي عقد في أبوجا، وقد كان اسم فرنك سيفا منتقدا لدي كثير من الشعوب الإفريقية، لما تتضمن من علامة الاستعمار، هذا التغيير يستحسن لما يحتوي أي عملة من رموز وشعار، وأكبر مثال في ذلك دولار أمريكي. والسؤال البريء  لما لم يسم بأفرو مثلا.

ثانيا: تغيير في المجلس الإداري: إلغاء ممثلي الحكومة الفرنسية في المجلس الإداري للاتحاد النقدي في دول غرب إفريقيا. مما يعني ليس لفرنسا الآن حق التصويت واتخاذ القرارات وفي تعيين حاكم البنك المركزي. وليس له الآن حق النقض الفيتو) فقد كان له الحق في نقض أي قرار يتعارض مع مصلحة دولتها.

ثالثا: التنازل الفرنسي: تنازل فرنسا عن إجبارية هذه الدول بإيداع 50% من احتياطاتهم النقدية في خزينة فرنسا، باسم الحسابات التشغيلية، التي ألغيت تباعا لهذا القرار.  مما كان يستفيد منها فرنسا في إنعاش اقتصاد دولتها أو سد عجز ميزانيتها أوسد ديونها الخارجية، وبالمقابل ستستفيد هذه الدول من هذا القرار من وجود سيولة مالية، أو تنويع إيداعها في مؤسسات تمويلية مختلفة.

والجدير بالذكر، أن فرنسا كانت تقدم فوائد سنوية مقابل هذه الحسابات بنسبة 7% في حين يستفيد منها أرباحا أكثر.

فبداية من شهر يناير القادم يمكن للدول الثمانية سحب احتياطاتهم من خزينة فرنسا.

ما الذي لم يتغير؟

أولا: تبقي فرنسا الضامن لهذه العملة، قد رسخ هذا الأمر في أذهان كثير من الناس، والحقيقة ليست كذلك وإنما كانت الاحتياطات النقدية هي الضامنة،  كما يقول اندوغو سامبا سيلا: أن خزينة فرنسا ليست ضامنا وإنما هي مراقبة، تسهر على احترام القوانين التعاونية النقدية بين هذه الدول وفرنسا. لأن الذي يضمنك يساعدك عند ما تكون في ورطة، فالواقع أنها تقول: أحتفظ نقدك، مادام هناك احتياط كاف في هذه الحسابات، وعندما تقل أو تنفد هذا الاحتياط أقوم بتخفيض عملتك. ويؤكد هذا ما حدث فعلا في سنة 1994م، عند ما قامت فرنسا بمفردها  تخفيض نصف قيمة هذه العملة بدون موافقة أكثر الرؤساء آنذاك .

وماذا سيكون البديل بعد حذف هذه الحسابات؟ وقد وجه صحفية – أمس- هذا السؤال لوزير الاقتصاد فرنسا -مرتين- Prino le Maire  أثناء مقابلتها، ولم يرد بإجابة واضحة.

ثانيا: إبقاء هذه العملة مرتبطة بيورو، هذه النقطة تم إبقاؤها لضمان الاستقرار النقدي للمستثمرين وتجنب مخاطر التضخم. وهذا الأمر كثيرا ما ينتقده الاقتصاديون الأفارقة، ويعتبروه جوهر المشكلة،  لعدم تكافؤ القوة بين العملتين. ويرون أن هذه العملة لا تتناسب مع اقتصاد هذه الدول، بل هي أقوى منها بكثير، فثبات سعر الصرف  بنسبة 1 يورو مقابل655,957فرنك سيفا يجعل قيمة هذه العملة مرتبطة بالتقلبات الاقتصادية داخل دول منطقة يورو, بدلا من المنظومة الاقتصادية داخل دول منطقة فرنك سيفا، وتكون رهينة للسياسات النقدية التي تقررها البنوك المركزية الأوربية بعيدا عن الواقع التنموي الافريقي، ولا تعين البنوك المركزية في التحكم على سعر الصرف لتسيير سياساتها الاقتصادية والنقدية، فالأولويات الاقتصادية في اتحاد أروبا تختلف تماما مع أولويات دول المنطقة، فإفريقيا في مرحلة سياسة التصنيع، وتصدير منتجاتها.

وبالإضافة إلى أن قوة هذه العملة المستعملة مقارنة باقتصادهم، تجعل ما يستوردون أرخص بكثير من منتجاتهم المحلية. فيضطرون- أحيانا- إلى الاستيراد لتقوية كفاءتهم الانتاجية

وهذه كلها نتيجة عدم القدرة على التصرف في سعر الصرف للتحكم على التوازنات الضرورية لاقتصادها، معتمدة على قانون العرض والطلب في السوق المحلي،  أو بعبارة أخرى هذه الدول ليس لها أي تصرف أو مراقبة على سياسات سعر الصرف فهي مرتبطة بتقلبات العملة الموحدة –يورو – داخل الاتحاد الأوربي.   

بالإضافة أن واردات التصدير لهذه الدول تجب أن تحول إلى يورو قبل جعلها فرنك سيفا، وهذا يعني أن قيمة يورو حينما يرتفع أو ينخفض مقارنة بعملة أجنبية أخري، ستؤثر مباشرة على هذه الواردات إيجابا أو سلبا. فتصنف دول منطقة فرنك سيفا دول مستورة لا مصدرة  ومستهلكة لا منتجة، ولكي يقدروا على انتاج ما يستهلكون لابد من إيجاد عملة تمكنهم من موازنة ميزانهم التجاري، والحل عند بعض الخبراء هو إيجاد  سلة عملات ترتبط بعملات دولية مختلفة مثل دولار، يورو، يوان. وهذا يقتضي ايجاد سياسة نقدية تتناسب مع منظوماتنا الاقتصادية.

بعد عرض أهم ما جاء في البنود الاتفاقية، فهناك عدة ملاحظات مهمة، جديرة بالتوقف والتأمل، شكليا:  لما هذا الإعلان الرسمي من الرئيس الفرنسي بدلا من رؤساء الأفارقة في الوقت الذي يعقدون مؤتمرا عاديا في أبوجا، ولماذا بالذات الرئيس الحسن واتارا الذي يدافع بشرارة عملة فرنك سيفا، وصرح بشكل مباشر أثناء مقابلته مع RFI بجانب نظيره ماكي سال أن هذه العملة جيدة، ويمكن تغيير الاسم إن كان مزعجا ونترك النظام، وهذا التصريح أقل من شهر، وكأن هذه البنود جاءت لتأكيد فكرتها.

وفي هذا السياق لا نقول بعدم وجود إصلاحات مهمة، ولكنها ليست جذرية ولا تلامس جوهر القضية، حيث مازالت العملة مرتبطة بيورو مع ثبات سعر صرفها، وهو الجانب الاقتصادي الأهم الذي يؤثر مباشرة في اقتصاديات دول المنطقة، من حيث سياساتها التصنيعية التي تتعلق بنموها الاقتصادي وحل مشكلات البطالة،  ومن حيث موازنة ميزانهم التجاري في التصدير والاستيراد.

في حين يستفيد الشركات الفرنسية التي تبلغ فروعها في منطقة فرنك سيفا وحدها 713، وفي منطقة جنوب الصحراء 1260،  من ارتباط هذه العملة بعملتهم وثبات سعر صرفها.

والملاحظ، أن التغيير لم يتطرق  بمبدأ حرية تحويل رؤوس الأموال للشركات العمالقة، الأمر الذي يعطيهم حرية تحويل جميع ما يجنونه من الأرباح  في دول المنطقة.

لماذا هذا التغيير لم تضم دول وسط إفريقيا في منطقة فرنك سيفا؟

ويبقي سؤال مهم جدا، كيف سيكون مستقبل مشروع العملة الموحدة في إفريقيا مع وجود فرنسا بشكل غير مباشر في المنطقة، الأمر الذي رفضه نيجيريا منذ البداية، وهو أقوي اقتصاد في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقياCEDEAO؟.

وفي الختام نقول: هناك خطوة في هذه القضية نحو السيادة النقدية التي جزء من السيادة الوطنية، وأمامنا مسار طويل للوصول إليها، ويجب أن لا تتوقف النضال للمضي نحوه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق