أبحاث ومنشورات

تهافتُ النُّخب وخطره على العلاقاتِ السنغالية الموريتانية

(*) محمد بشير جوب

النخبة المثقفة في أيِّ دولة هي المسؤولة عن تشكيل الرأي العام الوطني وتوجيهه لصالح الدولة، كما يجب أن تكون هذه النخبة مناعةً لأي تفلُّتٍ داخليِّ أواختراق خارجيِّ، إذا كان من شأنه أن يضر اللحمة الوطنية أو المصلحة القومية، ولذا تظل النُّخب ذات تأشير مباشرٍ أو غير مباشر في القرارات السياسية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ولايمكن أن يتحقق الدور المطلوب من النخب المثقفة إلا في ظل دولةٍ تؤمن بالمبادئ الديموقراطية وتطبِّقُها بحذافيرها، أوتعطي لهذه النخبة على الأقل مساحة للتفكير بكل حرية دون وصايةٍ من الحكام أو طرفٍ معينٍ، وحين تكون نخبةٌ ما في ظل دولةٍ لاتؤمن بالديموقراطية ولا بالشورى؛ فستفقد كل معاني وجودها وتصير آلة في يد الحاكم المستبد، يوظِّفها في تحقيق أغراضه، وتكون بمثابة آلة تحكُّمِ في يد طرفٍ معينٍ، فلاتفكر حسب الواقع الذي تعيشه، ناهيك عن تصور مآلات أقوالها وأفعالها، فغرضه الواحد خدمة الحاكم للحفاظ على كرسيه.

من يتابع الإعلام الموريتاني في الأيام الأخيرة سيجد نفسه أمام ظاهرةٍ غيرمسبوقةٍ من حملةٍ موجَّهةٍ ضد جارتها السنغال، تقف وراء هذه الحملة أقلِّيةٌ قليلةٌ من نخبةٍ منحرفةٍ، نعلم يقينا أنها لاتمثل من قريب ولا من بعيد النخبة الحقيقة لموريتانيا أصحاب الأصوات المنصفة، ولا الشعب الموريتاني الشقيق الذي تاج على رؤوسنا، وإنما هي نخبةٌ مختطفةٌ وُظِّفت لتحقيق أغراضٍ معيّنةٍ، وكثيرا ما تتردد مثل هذه المشاهد في ظل الحكام العسكريين.

ليس الغريب فقط من هذه النخبة المتهالكة أنها تسعى لإشعال فنتة بين الشعبين لشرعنة وجود حاكمها، وإنما الأغرب هو عدم شعورها بالملل في ترديد أكاذيبَ مصطنعةٍ، وتلفيقاتٍ مكشوفةٍ، وبراهينَ واهيةٍ أشبه بخيوط العنكبوت، كلها للوصول إلى صياغة نظريةٍ خاسرةٍ مفادها؛ أن السنغال عدوٌّ أزليٌّ لموريتانيا، وما أكذبها من نظرية ؟!!!

سيظهر لنا من خلال هذه السطور مدى التهافت والتناقض والانفصام والانسلاخ الذي وقعت فيه هذه النخبة، وذلك من خلال تفنيد أهم المقاربات الواهية التي يسندون عليها نظرياتهم الواهمة.

التقديرات الخاطئة:

من أهم ما يتشدق بها هذه النخبة المتهورة؛ ويدل على لوثهم الفكري، وانحرافهم عن الجادة مايلي:

نظرية المؤامرة: بالرغم من أن “لوو بول سدار سنغور” كان من أشد الناس حرصاً على أن تنال موريتانيا استقلالها، في وقت أرادت المغرب ضمّها إليهم؛ باعتبارها سيادة مغربة كما كانت تدافع عنها “علال الفاسي” منذ 1955، حيث كانوا يدعون إلى “المغرب العظمى” ويرون أن موريتانيا دولة مصطنعة من الاستعمار الفرنسي، وبالرغم من أن السنغال من أوائل الدول التي سارعت بالاعتراف بموريتانيا في وقت ظل بعض الدول العربية تأبى الاعتراف بها حتى في وقت متأخر، وبالرغم من أن السنغال قامت برعاية محادثات ناجحة لحلّ أزمات داخلية في موريتانيا، وبالرغم من أن السنغال تراجعت عن اتخاذ قرارات سيادية بسبب اعتراض موريتاني، وكان بالإمكان أن تتخذها رغما عنهم، وبالرغم من أن السنغال لم تلوح يوما بخيار عسكري في المشاكل العارضة التي عصفت بين البلدين، أو كادت أن تعصف بينهما على عكس موريتانيا.

رغم  كل ماذكر تؤمن هذه النخبة أن السنغال تتآمر على موريتانيا، وأن كل فشلٍ موريتاني في تحقيق التنمية والاستقرار، والحكم الرشيد، والاندماج بين شرائح الشعب الموريتاني، يرجع إلى جارتها السنغال، فبدل محاسبة الحكام العسكريين الذي جثموا على صدور الشعب طيلة عقودٍ، وقضوا على حلم السياسيين المدنيين، والشباب البارعين، فالمحاسب هو السنغال، هذه هي نظرية المؤامرة التي تريد هذه النخبة صياغتها لتبرير العجز السياسي لحكامهم، وهذا بالفعل ما كان يقوم به “معاوية ولد طايع” طيلة فترة حكمه، فكان كلما شعر بتململٍ داخلي يقوم باختلاق أزمة مع السنغال لشرعنة بقائه على افتراض أن هناك تهديداً خارجياً يقتضي بقاءه في الحكم، وهانحن نرى نفس السياسة تتكرر مع الرئيس السيد “محمد ولد عبد العزيز” الذي يتطلع إلى مأمورية ثالثة.

نظرية توجيه القرار السياسي السنغالي من أيادٍ خارجية:

تزعم هذه النخبة أن السنغال غير مستقلةٍ في قراراتها، وأنها تنفذ الأجندة الفرنسية والمغربية، ونجد هذه النخبة في عدم ارتياحٍ كبيرٍ في العلاقات المتقدمة بين السنغال من جهة، والدولتين فرنسا والمغرب من جهة أخرى، ونجد في هذه المقاربة حالة من التناقض الفاضح، ففي حين تغار موريتانيا على السنغال من هذه العلاقات، ووصلت هذه الغيرة إلى درجة اتهامها بالعمالة، فموريتانيا نفسها تقيم علاقات ممتازة مع فرنسا، حيث وصل حجم الصادرات التجارية للأخيرة إلى 210 ملايين يورو في عام 2014، وتتصدر فرنسا قائمة المانحين الثنائيين للمساعدة الإنمائية لموريتانيا، إذ صرفت 84 مليون دولار من المساعدات في عام 2012 كما أن التنسيق الاستخباراتي على مستوى ممتاز حسب تعبير الرئيس محمد ولد عبد العزيز، والمدربون والمستشارون العسكريون يجوبون موريتانيا، كما أن الدعم العسكري الأمريكي معلنٌ وغير مُختفٍ على أحد، كما أقامت موريتانيا علاقاتٍ جيدةٍ مع إسرائيل وصل إلى تبادل سفراء، والآن هناك احتمالٌ كبيرٌ على إعادة هذه العلاقات إلى طبيعتها بعد تعيين السفير الموريتاني السابق في إسرائيل وزيراً في الحكومة، وإلى جانب ذلك تقيم موريتانيا علاقات رفيعة المستوى مع الجزائر، وعندما يحدث كل ذلك لم نجد يوماً السنغال تغار على موريتانيا أو تتهمها بالعمالة لصالح فرنسا أو أمريكا أو إسرائيل أو الجزائر، فالسنغال مرتاحةٌ في ذلك، أفلا تستحق السنغال أن تعامل بالمثل من قبل جارتها موريتانيا، فكما لايحق للسنغال أن تتدخل أو توجه موريتانيا في علاقاتها مع دول الخارج، يجب على موريتانيا الالتزام بعدم التدخل أو محاولة توجيه السنغال في سياستها الخارجية، أو تغار عليها، أو يتوجس شرا من نتيجة هذه العلاقات.

نظرية دعم الزنوج.

الزنوج جزءٌ أصيلٌ من الشعب الموريتاناني، وهناك روايات تشير إلى وصول الزنوج وقبائل الصنهاجة من البربر في الإقليم المعروف اليوم بموريتانيا قبل العرب أنفسهم، فهم مواطنون بالدرجة الأولى كما أن قضيتهم داخلية تخص دولة موريتانيا، وعلى حكام موريتانيا أن يضعوا أنفسهم أمام هذا الواقع ويتعاملوا مع الملف بشكلٍ مسؤولٍ ومنصفٍ، بدل جعل الملف مجالاً لتصفية الحسابات مع جارتها السنغال، والمفارقة العجيبة في الأمر هي أنه حينما تنتفض موريتانيا وتبثُّ جامَّ غضبها على السنغال، فقط لأنها سمحت بإقامة لقاء لمنظمة حقوقية، أو أن صحفياًّ ما قام بتصريحٍ ما تجاه وضع الزنوج في أحد البرامج التلفزيونية، نجدها في المقابل صامتةً أمام أستراليا عندماصنف تقرير لسنة 2014 صادر عن مؤسسة  “Walk Free Foundation” موريتانيا كأول دولةٍ في العالم على مقياس ممارسة أشكال “العبودية العصرية”، كما نجدها صامتةً أمام أمريكا عندما تدين واشنطن مؤخرا في 2016 بعض الاعتقالات التعسفية ضد الزنوج، أوعندما يصف قناة (سي إن إن) في عام 2012 في وثائقي لها أن موريتانيا ” آخر قلاع العبودية “، بل تبقى صامتة عندما ينتقد التقرير الحقوقي الخاص بموريتانيا 2016 حول ملف “الإرث الإنساني” قضية المبعدين وقضية الزنوج.

فالمطلوب من موريتانيا إدارة هذا الملف الشائك بكل إنصافٍ وشفافيةٍ، وأن تكون لها شجاعةً في قبول أي نقد موجَّهٍ إليها في حال فشلٍ أو قصورٍ في إدارة هذا الملف، وكما تتقبل هذه الانتقادات إذا صدرت من طرف غير السنغال، يجب أن تقبلها أيضا إذا صدرت من السنغال سواء بسواء دون الكيل بمكيالين، وأن تدفع الحجة بالحجة بدل التهديد والانفعال، وخاصة عندما تعلم أن السنغال دولة ديموقراطية لا يمكن فيها للرئيس منع الانتقادات التي توجه إليه يوميا من الصحافة ومن المنظمات الحقوقية، بلْهَ أن يمنعها عن غيره، وما قام به رئيس الإرادة الشعبية السيد “ماكي صال” من التدخل في عمل هذه المنظمات مؤخرا ومنعها من إقامة لقاء لهم، فإنما هو لطف وضبطٌ للنفس، كما عودتها السنغال جارتها موريتانيا، ولا يجب اعتباره تراجعاً عن المبادئ الديموقراطية التي تؤمن بها السنغال منذ استقلالها، أو تخلياً عن سيادتها.  

وبجانب هذه النظريات الرئيسية الآنفة الذكر، توجد خيوطٌ عنكبوتيةٌ أخرى تتثبَّث بها هذه النخب، وتروِّجُها لحكامهم زورا وبهتانا، ومنها مثلاً أن السنغال تتدخل في شؤون غامبيا، ناسين أو متناسين أن العملية التي تمت مؤخرا في غامبيا قامت بها منظمة “إيكواس” بحدِّ ذاتها وليست دولة بعينها، وإنما السنغال قامت بدورها الطبيعي، فرضه عليها الواقع الجغرافي لاغير،  وهم عندما يبثون هذه السموم لايحاولون تشويه سمعة السنغال فحسب؛ وإنما يريدون أيضا زرع بذور عداوةٍ بين الشعبين الشقيقين السنغال وغامبيا، كما يحاولونه اليوم بين الشعبين الموريتاني والسنغالي.

وأكبر تلويثٍ فكريٍّ تقوم به هذه النخبة على الإطلاق هو القول بأن هناك نيةٌ مبيَّتةٌ في إنشاء دولةٍ فلانيةٍ تمتد من الجنوب الموريتاني إلى الشمال الغيني، وأن السنغال هي من تقف وراء هذا الاتجاه لتفكيك المنطقة، نظريةٌ أقل ما يقال فيها أنها من أساطير الأولين، حيث لايتصوره عقلٌ ولا منطقٌ، ولايؤيدها واقعٌ ولا ماضٍ، ولم تخطُ السنغال أبدا على الإطلاق إلى تأييد مشروعٍ كهذا حيث الضرر يرجع إليه قبل أي أحدٍ فيما لوتحققت، أو حاولت تحقيقها، كما أن من غباوة هذه النخبة مايرددونها بين الفينة والأخرى دون خجلٍ على أن السنغال كانت من عبدة الأوثان والأصنام، ولولا موريتانيا لما عرفت الإسلام، ولا أدري لماذا لم تتكلف هذه النخبة مؤنة البحث عما كان يعبده الموريتانيون قبل دخولهم الإسلام إليها في أيدي المرابطين؟ وماذا سوف يعبدون اليوم لولا همة المرابطين في نشر الإسلام في تلك البقعة؟ بدل الانشغال بدين الآخرين، وكل ذلك يأتي ليؤكد مدى هذيان هذه النخبة، وهي إذا استمرت على هذه الحالة سوف تشكل خطراً على مستقبل العلاقة بين البلدين.

الخاتمة:

في وقت تتسارع فيه الدول على تصفير مشاكلهم، وتقوية علاقاتهم، للنجاة من طمع القوى العظمى التي هي وحدها المستفيدة من تأزم العلاقات بين دول العالم الثالث، تأتي مثل هذه النخب لتجعل أولوياتها بقاء الحاكم على سدة الحكم، وأن كل شيء يجوز التضحية بها لصالح الحاكم، نأمل أن ترجع هذه النخبة إلى رشدها، وأن تقتدي بصوت الآلاف المضطهدين الممنوعين من البوح بآرائهم في موريتانيا، فالعلاقة بين الشعبين علاقة قدرٍ يجب الإخلاص تجاهها، ولا يمكن لأحد الاستغناء عن الآخر أو إنكار وجوده، وإذا كانت هذه النخبة تريد أن تكون في خدمة الشعب الموريتاني، عليها أن تتمثل  بالجرأة في نقد حكامها، وإبداء النصح لهم حتى يتمكنوا من خلق توازن إيجابي في علاقاتهم الخارجية مع دول الجوار، بدل الاكتفاء بتحرشاتهم المتكررة لجارتهم السنغال.  

 

 

 

الوسوم

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حملة موجهة من موريتانيا ضد السنغال ، هذا كذب ، الحملة بدأت من السنغال من خلال التحريك الدائم والممنهج لما يسمى ملف حقوق الإنسان بلغ الدعوة إلى حرب أهلية في أحد التلفزيونات السنغالية ..
    وبخصوص ملف العبودية فلم يعد في موريتانيا عبيد لئن النخب بكل ألوانها ومشاربها أخذت الأمر بجدية منذ زمن بعيد حتى تم القضاء على الظاهرة المشينة . أما في السنغال فمازال العبيد موجودون في الأرياف والمدن بشكل منتشر وبشع . وهناك في السنغال جميع أشكال الإستعباد ومنها التسخير في الخدمة بدون مقابل ومنها إستغلال القصر في الدعارة الموجود على نطاق واسع في السنغال حيث تباع القصر والشابات لعجائز النصارى ف منطقة la petite côtê على سبيل المثال لا الحصر ليمارسوا معهم الدعارة وتصوير الأفلام الجنسية ويستخدمونهم في جميع انواع الرذيلة والقهر . ولا أحد في السنغال يتحدث عن ذالك لئن السنغاليين لا يعتبرون أنفسهم بشرا في مواجهة النصارى وإنما يعتبرون أنفسهم بشرا فقط في مواجهة إخوانهم الأفارقة . وهذه هي عقدة السنغالي التي تمنعه من بناء علاقات جيدة مع جيرانه وإخوانه . وظاهرة العبودية نشأت أصلا من السنغال حيث كان شيوخ القبائل يبيعون المستضعفين من القبيلة مقابل ثمن زهيد . وقد ورد في السير أن أحدهم باع ثلاثة عبيد بمرآة ينظر فيها وجهه.
    وخلاصة القول أن السنغال وحكومة ماكي سال على وجه الخصوص يجب أن تراعي مصالح الشعب السنغالي لا أن تحاول لعب أدوارليست مؤهلة لها ولا أن تصبح أداة في يد القوى الأخرى الإقليمية والدولية تصفي بها بعض الحسابات مع موريتانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق