مجتمع

تدَاعِي الشَّراذيمِ المستبدَّة

 

    محمد بشير جوب

عندما تُحاول ثلَّةٌ من النَّاس فرضَ موضوعاتٍ على الرأي العام، رغم أنها موضوعاتٌ لا تدخل إطلاقاً في صلْب اهتمامات المجتمع الذي تعيش فيه، ولا تمتُّ بصلةٍ بالقضايا المصيرية لذاك المجتمع، فذلك يُنذر بوجود مانصفه بـــ “استبداد الشَّراذيم” وهو حالةٌ مزريةٌ تنكبُّ فيها قلَّةٌ قليلةٌ في قضايا سخيفةٍ لاتُمثِّل أولويةً لتحقيق الصالح العام، بل يعاف المرء الخوض فيها كي لا يقع ضحيَّةً للانشطار الفكريِّ والشَّراد الذهني الذي يتحكَّمُ بقوَّةٍ في فكر وسلوك تلك القلَّة الشاذَّة، لاينحصر ذنب هذه الشَّراذيم في كونهم شغلوا عقولهم الصغيرة في حواشي الأمور وبُنيَّاتها، بل ذنبهم الأكبر يكمن في كونهم احتلُّوا عقول الغالبية من الناس بالتفاهات والتراهات المملَّة، حتى أصبحوا عالةً على مجتمعاتهم التي تتطلَّع إلى رؤية نخبةٍ واعيةٍ تكون على مستوى التحدِّي المشترك، وتتحمَّل العبء في شقِّ الطريق نحو المستقبل الواعد.

وجدت نفسي مرغماً للخوض في القضية الشاذّة التي حصلت في الأيام الماضية عقب ارتقاء روح الخليفة العام للطريقة المريدية إلى الرفيق الأعلى، وكانت تلك الحادثة خطيئةً تاريخيةً تبرَّأ منها الجميع وتاب عنها القاصي والداني، وتصرفت الجهات المعنيَّة بالأمر حينه بحكمةٍ تعكس مدى الاتِّساق الشديد والتَّلاحم القديم بين مكوِّنات الشعب السنغالي والحرص الزائد على دوام ذلك، وكادت أن تكون القضية طيَّ النسيان ليكون التعايش السلمي الموجود منذ قرون سيد الموقف، إلا أننا وجدنا أنفسنا ضحيَّة لاستبدادٍ فكريٍّ ممنهجٍ من شراذيم لايريدون للقضية أن تنتهي إلا إذا تحقَّقتْ لهم أغراضهم الشخصية والجهوية، وبدأوا يستميتون في افتعال الملاسنات في كلِّ جهةٍ لاستغلال أي فرصةٍ متاحةٍ لإثبات وجودهم.

وفي اعتقادي أن الارتدادات السلبية التي قد يُخلِّفها هذا النهج الشاذُّ في مجتمعنا آن له الأوان أن يتوقَّف، وقد تعيننا في ذلك معرفة أسباب نشوء هذه الظاهرة، ثم تفعيل المسؤوليات المشتركة تجاهها قبل أن تفتحل المعضلة، وتعمَّ شرارتها للجميع.

بين فكّيْ السياسة والدين:

ليس الغرض إقصاء واحدٍ منهما دون الآخر، أو لإثبات أن العيب في واحدٍ دون الآخر، بل المراد  هو محاولة وصف الحالة التي تنطبق على مجتمعنا حالياً، وهو كوننا وقعنا أسرى بين السياسة والدين، لا بعيْنهما؛ لكن بفعل الانحراف غير المبرَّر في تطبيقات القائمين بهما من بني جلدتنا، لقد كان -ومازال- الحديث السائد في أوساط المجتمع السنغالي التنديد الواسع للنخبة السياسية؛ حيث اتُّهمت بأنها فرضت نفسها على الرأي العام، وسيطرت على كل منافذ الحياة، ولم تكد تترك للناس مساحة للتنفُّس، وعلى حين غرَّةٍ وجدنا أنفسنا أمام ظاهرةٍ جديدةٍ بلباسٍ جديدٍ، عنوانها أفرادٌ يتقمَّصُون الدين ويدَّعون تهوُّراً الانتساب إلى الدين وأهله، واحتلُّوا على أساس ذلك قلوب العباد وعقولهم، محاولين توظيف الدين وجهود الأجداد الربّانيين والشيوخ المخلصين والحركيين المصلحين في صالحهم للوصول إلى مآرب شخصيةٍ محدودةٍ، جاهزين للتضحية بكل شيء وعلى حساب كل النّعم، من أجل الحصول على مغنمٍ زايفٍ وزائلٍ.

وليس الكلام هنا عن القمّة المتمثلة في القيادة الدينية في كل الأطراف، ولا على الأغلبية ممن هم في القاعدة من الذين مازال الوعي والاتفاق على حفظ بيضة الإسلام في قمَّة أولوياتهم، وإنما الحديث هنا عن الشراذيم الذين يعانون من الانشطار الذهني، والمراهقة الفكرية، والهوس السلطوي، ودفعهم ذلك إلى الزعم بأنهم يمثلون ثقلاً ووزناً في المجتمع السنغالي، ونصبوا أنفسهم أذرعاً للآخرين بدعاوى كاذبةٍ ومكشوفةٍ، يُنسبونها إلى الشيوخ الأجلاء والأبرياء قديماً أو حديثاً، دون تفريقٍ بين ما هو مصلحةٌ تجلبُ أو مفسدةٌ تُدرأ، أوما هومنفعةٌ تطلبُ أومضرّةٌ تُدفع، قد تصل بهم الغباوة إلى وضع أمنهم وأمانهم في كفِّ عفريتٍ، وأشبه مايكون أحدهم كالطفل الرضيع  الذي يلعب بقنبلةٍ مؤقتةٍ ولا يدري متى تنفجر به وبمن حوله.

المرجعيَّة المُفتقدَة….  

قديماً قالوا: “إذا تفرَّقت الغنم قادتْها العنز الجرباء” فالدعوة الإسلامية والإصلاحية مهما اختلفت في وسائلها وآلياتها فهي متَّفقةٌ على أصولها، ومن هذه الأصول وجود مرجعيّةٍ يُستقى منها النهج الدعويّ أو الإصلاحيّ، وقد سمّاها السادة الصوفية بالشيخ المطيع؛ بل شدَّدوا على وجود هذه المرجعية ومن عباراتهم في ذلك “دوموا على امتثال أمر الربِّ بأمر شيخٍ واصلٍ مُربٍّ” فهذا الأمر إشارةٌ إلى حتمية وجود هذه المرجعية لا أقلّ ولا أكثر، وقد تختلف صور هذه المرجعية عند الآخرين؛ فتكون في شكل مؤسسةٍ تقوم بمهمة التربية التوجيه، وإن اختلفت الصور والأشكال فالأساس والجوهر هو وجود قيادةٍ رشيدةٍ تدبِّر وتخطِّط، يسمع ويطاع لها ولا يعصى لها أمر فما هي أهلٌ له.

لايختلف اثنان في أن كثيرا من التصرفات التي نشاهد عليها اليوم ينمُّ عن غياب المرجعية، وأغلب من يتصدَّون للظهور في الآونة الأخيرة يجوز أن نقول في حقِّهم بأنهم عبارةٌ عن “سلسلة براميل فارغة” يكثرون الضجيج ولا نرى الطحين، ويتصرفون اعتباطياًّ دون مراعاة أي تبعاتٍ أو انعكاساتٍ سلبية لأفعالهم، وكثيرٌ منهم لا يدرك ضراوة عمله إلا إذا أوقع نفسه في مهلكةٍ تقصم ظهره أو ظهر أخيه.

ومما عمَّق هذه المشكلة وجود التدفُّق المعلوماتي في الفضاء الواسع واللامحدود، حيث يجعل المتحذلق يتسارع في لملمَة مقتطفاتٍ من المعلومات الطازجة والنادرة، في وقت تهاوتْ فيه مناعته الفكرية، ويحسب نفسه عالماً كبيراً يستغني عن المرجع، ويبدأ يرتجل ويغوص في أمورٍ يهابها العلماء الكبار، أو يستدعي من بطون التاريخ ما أكل عنه الدهر وشرب ليُشغل الناس عليها من جديدٍ.

المسؤوليات المشتركة….

هذه الظاهرة التي بدأت تتفشَّى – في وقتٍ يبذل فيه المخلصون الجهد النفيس للحفاظ على مكاسب الأسلاف من تدينٍ ووحدةٍ وقبول التنوع المنهجي المبنيِّ على الإسلام السنّة – لا شك أنها تهدِّد المجتمع السنغالي بشكلٍ مباشرٍ، ويفسح المجال لترويج الأفكار التي  لم تعد عمليةً، و لم تعد قادرة على تمثيل التطور، بل تسُدّ الطريق أمام التطور، ولم تعد تُنتج غير وضعياتٍ متدهورةٍ، وهي ما يطلق عليها بـ “الأفكار المُمِيتة” التي تمّ استيرادها من محيط ثقافي آخر، والتي لا تقبل الاندماج مع المحيط الذي اقترِحت عليه أو فُرضتْ عليه، لكونها تمسّ بالتوازنات الموجودة في المجتمع، وتمثّل هذه الأفكار الدنيئة في الغالب العالمَ الإيديولوجي الذي تسرب إلينا من قرون الإنحطاط، وللوقوف ضد تفشِّي هذه الظاهرة تتوزّع مسؤولياتٌ عدةٌ على مستوياتٍ مختلفةٍ.

مسؤولية القيادات: يقع على القيادات الدينية المسؤولية الأكبر في وضع حد للتسرُّب الذي يحصل في صفوف الطرق الصوفية والحركات الإسلامية على حد سواء، وتضع نفسها أمام مسؤولية التربية والتوجيه وسد الفراغ الذهني الذي يعيشه الأشبال المتحمِّسين من طلاب الطرق الصوفية وأتباع الحركات الإسلامية، فمن نافلة القول التذكير بوجود القواسم المشتركة والاتّفاق في الأصول والاتّحاد في الأهداف التي يريد تحقيقها كل من قادة المتصوفين والحركيين؛ حيث تشكَّلت الآن قناعةٌ راسخةٌ لدى الجميع في أنه لايمكن إقصاء أحد من المشهد، ولكن يبقى التحدِّي أمام الجميع هو حمل الكافّة من الأتباع على هذا الواقع؛ ليعكس ذلك سلوكهم ويحدِّد علاقتهم مع الآخر.  

مسؤولية قادة الرأي: في كل مجتمعٍ نجد شريحةً مهمةً يختلف المكوِّنون لها من حيث المستويات والدرجات والأماكن التي يتموقعون فيها، ويكون لهؤلاء قوةٌ في التأثير والتغيير وفرض الأجندة النافعة وتوجيه البوصلة إلى الاتجاه الصحيح؛ مع تحديد الأولويات والقضايا التي تستحق أن توضع في طاولة النقاش، يجب أن تكون هذه الشريحة مؤثراً وليس متأثراً، ويجب أن لاتكون إمَّعةً تساهم في ترويج وإثارة الموضوعات الدسيسة؛ أو عندما تضطرُّ لمعالجتها يجب أن تكون معالجتها مختلفاً مع سلوك العامة من الناس، لأنها على قدر من الاطلاع الذي يجعلها تدرك طبيعة المجتمع والفروق الفردية فيه ومستوى فهومهم.

 يتعدَّى دور قادة الرأي ماذكرناه آنفاً ليشمل ترقية المستوى الفكري للمجتمع وربطه بقضايا الساعة، فعندما نواجه قضايا مصيريةٍ في السنغال، تتمثّل في الاستهداف المباشر والممنهج لديننا وقيمنا، وصل إلى حد الاختراق الناعم لكياناتنا الدينية والتقليدية من قبل التيارات الفكرية الهدامة، وعندما نعيش انفلاتاً أمنياً محدوداً في جنوبنا، وعندما نُقبل على استحقاقاتٍ شعبيةٍ قد تكون فرصةً لمواجهة التحدِّيات والصِّعاب وتقديم بديلٍ يصلح به حال البلاد والعباد، وعندما يُهدر الحقوق ويُستهدف بعض الرموز الدينية بدعاوى زائفة، نجد في هذه الظروف الخطيرة من يسهر الليالي لوضع خطة مُحكمةٍ لتصفية إخوة له في الإسلام، يجعله يدخل معه في صراعٍ وجوديٍّ، يظن فيه أن بيده عصاً سحرياً ينتظر إشارة منه ليقضي على غيره ويحقِّق أضغاث أحلامه، من هنا يكون الدور على قادة الرأي العمل على تضييق الخناق على من يريد صرف الناس عن اهتماماتهم، أو من يحاول توجيه الأنظار إليه لإشباع غريزته السلطوية.

مسؤولية الحكام: السلم والوئام والأمن الذي يتمتع به المجتمع السنغالي نتيجةٌ لجهودٍ ضاربةٍ في الجذور، وهو مكسب لا يجب التفريط فيه؛ بل أكبر من أن يترك بين أيدي المراهقين والمهووسين يتلاعبون به، ومن صميم واجبات الدولة حماية هذا المكسب بكل ما أوتي من قوّةٍ، ومن مقرَّرات دستورنا في المادة (5) مايلي: “يعاقب بالقانون عن أيِّ عمل من أعمال التمييز العنصري أو العرقي أو الديني وكذلك أيّ دعايةٍ جهويةٍ يمكن أن تهدِّد الأمن القومي للدولة أو سلامة التراب الوطني”  فهذا تفويضٌ مباشرٌ للحكام للسهر في ترسيخ دعائم الأمن والسلم في المجتمع السنغالي، وعندما تمارس الدولة هذه الوظيفة لا يجب أن تكون تحت وصاية أحدٍ أو أي جهةٍ، حيث أن الكل مساوون أمام القانون كما قرَّره الدستور المادة (7) الفقرة (4) “جميع المواطنين مساوون أمام القانون….ولايوجد أيُّ امتيازٍ يمنح للفرد بسبب مكان الولادة أو الشخص أو الأسرة” وكلُّ من يشكِّل خطراً على النسيج الاجتماعي السنغالي يجب أن يُخضع أمام القانون دون هوادة.  

وفي الختام ونحن في وضعٍ يسعى فيه الجميع إلى تقوية البنية الداخلية للمشروع الإسلامي، ليس الوقت مناسباً للدخول في عراكٍ بين أبناء الصف الواحد، وإن سفينة الإصلاح الديني والمجتمعي التي أطلقتها قامات الدعوة الإسلامية والإصلاحية ابتداء من السادة الصوفية إلى يومنا هذا مستمرةٌ، وهو عملٌ يسع الجميع ولعلَّه إذا تحمَّل كل واحدٍ مسؤوليته في هذا العمل سيجد في نفسه مايغنيه عن الانشغال ببُنيَّات الطريق، وستنتفي حتماً هذه الظاهرة السلبية الدخيلة فينا، وتكاد تقضي على مكتسبات العمل الدعوي والإصلاحي المحصَّنة منذ قرونٍ.  

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما شاء الله أطلالة ثرية وقد قام بتغطية القضية بكل حسم وموضوعية وانصاف …بارك الله في مجهوداتكم وادام الله عليكم النعم ظاهره وباطنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق