شخصيات وأعلام

برنامج “لقاء خاص” استضاف الدكتور الحاج موسى فال المستشار الأول للسفير السنغالي في الجمهورية الإسلامية إيران (نص الحوار كاملا)

(*) وحدة التحرير

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،،

أيها الأحبة في مجموعة (وسطيون) فإن شرفنا لعظيم باللقاء معكم في برنامجكم (اللقاء الخاص) الذي يستضيف اليوم فضيلة الدكتور: الحاج موسى فال، مستشار في السفارة السنغالية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

أهلا بكم فضيلة الدكتور، وشكرا على قبول هذه الضيافة رغم ارتباطاتكم وضيق أوقاتكم، فلكم منا خالص الشكر والتقدير،، نود أن نطرح على فضيلتكم عدة أسئلة :

س1/ أين ولد فضيلتكم؟ ومن أي قبيلة تنتمي؟.

الدكتور: السلام عليكم ورحمة الله،، أولا نشكركم على هذه الاستضافة، أنا من قبيلة (ولوف)، ولدت في مدينة (اتياس) وترعرعت فيها.

س2/ طيب،، أين درس فضيلتكم المراحل الآتية: الروضة، الابتدائية، الإعدادية، والثانوية؟.

الدكتور: درست في مدينة (اتياس) المرحلة الابتدائية، لكن يجب ان أقول بأن كل إخواني وإخوتي من الأب درسوا في المدارس الفرنسية. و لقد حكت لي والدتي بأنه حينما وُلدت قال والدي: ” هذا المولود الجديد أعطيه هدية لله سبحانه وتعالى” وعندما بلغت مرحلة التمدرس قال : ” لن ارسل ابني هدا إلى المدرسة الفرنسية كإخوته، بل سأرسله إلى المدرسة العربية والقرآنية.

وقالت لي أمي بأن هذا القرار كان نوعا ما صعبا عليها؛ لأن كل الاقرباء كانوا يقولون لها: كيف تقبلين وتوافقين على أن يُرسَل ابنك الذكر الوحيد إلى المدرسة القرآنية، بحجة أنه لن يجد العمل في المستقبل، ولكن الوالدة قالت بأنها توافق على اختيار وقرار والدي.

ومن النُّكَه التي ما زلت أتذكرها : مرة جئت من الكتاتيب مع الأولاد، وربما كنت دون الخامسة من العمر، استوقفتني امرأة برتغيسية من دولة (الرأس الأخضر) كانت تقيم معنا في نفس الحي، وقالت لي: ” يا حاج، كيف تقبل أن تدرس في المدرسة القرآنية، فلن تجد العمل في المستقبل” وكانت لهذه الكلمة وقعة شديدة جدا في نفسي، ولكن واصلت طريقي، وما زلت أتذكر هذه المقولة الحرجة . وهذا الموقف من تلك السيدة  يرجع فقط إلى نظرة الناس -في ذلك الزمن- إلى المدرسة القرآنية.

 إذًا كنت وحيدا في بيتنا أدرس القرآن، وعندما أكملت قراءة القرآن كان بود والدي أن يفتح لي محلا للتجارة، ولكن في نفس الوقت كان هناك أحد الأشخاص البارزين في الدعوة وهو الأستاذ (بابكر غي) رحمه الله، قد فتح مركزا سمي ب(المركز الإسلامي للشباب) في حَيِّنا (سوم) ب(اتياس) وكان المركز مخصصا لتعليم الكبار، لكني اقتربت منه، وقلت له بأني أريد أن أدرس فيه، فقال لي: ما فيه أية مشكلة، حاول فقط أن تاتي قبل الوقت المخصص للكبار، وهكذا بدأت أدرس عنده شيئا من اللغة العربية و كتاب الأخضري – في فقه المالكية- وبعض الكتب الأخرى، ثم عندما فتحت جماعة عباد الرحمن مدرسة (عثمان انغوم) ،  جاء الأستاذ (بابكر غي) إلى والدي رحمهما الله وقال له : نحن فتحنا مدرسة وأريد أن ترسل موسى معي لكي أسجلها فيها حتى يتمكن من مواصلة دراساته ، فوافق الوالد على ذلك، وهكذا سجلني الأستاذ (بابكر غي) رحمه الله في مدرسة جماعة عباد الرحمن، فدرست هنالك الابتدائية، ثم شاركت في امتحان مدرسة (دار المعلمين: فرنسية-عربية) في دكار، فنجحت والتحقت بها، وكانت مُعَدَّةً لتخريج المعلمين باللغة العربية في المدرس الابتدائية الحكومية.

وكانت لنا تجربة كبيرة جدا في هذه المدرسة وهي: أننا لما التحقنا بها، خضنا فيها إضرابا شديدا خلال شهرين – ودلك في زمن (إيبا دير تيام) عندما تولى رئاسة وزارة للتربية الوطنية – والسبب هو أن الحكومة قررت تحويل المدرسة من دار المعلمين إلى ثانوية عامة، بحيث لا تعد تخرج معلمين وموظفين في المرحلة الابتدائية، بل تعد طلابا للحصول على الشهادة الثانوية ثم يلتحقون بجامعة دكار، وبحكم كون السبب الرئيسي لالتحاقنا ب(دار المعلمين) هو الأمل في أن نصبح موظفين – مع علمكم بأن التوظيف بالنسبة للمستعرب في السنغال ليس أمرا سهلا –  خضنا إضرابا كبيرا جاءنا خلاله مسؤولون من الساسة والنقابيين والطوائف الدينية لإقناعنا على ضرورة الرجوع إلى الفصول فرفضنا، وهنا من الأهمية بمكان أن أشير إلى أن من بين أولئك الأفذاذ الذين ساندونا ووقفوا معنا في هذا الكفاح الأستاذ الجليل (بمبا انجاي)، فلقد كان يزورنا يوميا، ويتطلع على تطورات الموقف، ويُسْدي إلينا بنصائح كفاحية و نضالية جيدة.

وهكذا استمرنا حتى أبدت الحكومة موافقتها على تأجيل تنفيذ القرار إلى الأفواج التالية بعدنا، أذكر من بين أولئك الأفواج الاتية  بعدنا : فوج الأستاذ الدكتور عبد الكريم تياو.

وقبل إكمال الدراسة بدار المعلمين نجحت في الامتحان للالتحاق بالمركز الإسلامي الإفريقي بالسودان – جامعة إفريقيا العالمية حاليا -.

س3/ بعد تخرج حضرتكم في الثانوية فأين كانت وجهتكم للدراسة الجامعية ؟ وفي أي تخصص ؟.

الدكتور: درست الثانوية في الخرطوم بالسودان – المركز الإسلامي الإفريقي بالتحديدا- وبعد حصولي على الشهادة الثانوية، كان لديّ خياران لمواصلة دراستي الجامعية إما في السودان أو في باكستان ولكنّي فضّلت الرجوع إلى السنغال لأمرين:

أولا: للحصول على العمل لأتمكن من كفالة الوالدة والأخوات.

وثانيا: لأني لم أكن أريد أن أتعرض لمشكلة المعادلة كما يعاني منها أغلبية حاملي الشهادات العربية من خارج البلاد؛ لذا فضّلت مواصلة الدراسة الجامعية في جامعة دكار لأحصل على ” الليسانس وميتريز” رسميا ، ثم للانخراط في سلك الوظائف الحكومية. وهكذا سجّلت فبدأت الدراسة  في جامعة دكار بقسم اللغة العربية.

س4/ ما هي أهمّ الإنتاجات الفكرية والعلمية التي قمتم بها أثناء دراستكم؟.

الدكتور: فعلا قمت ببعض الإنتاجات الفكرية والعلمية، وفيما يتعلق بالجانب الأكاديمي أنتجْتُ رسالة في مرحلة الدراسات المعمّقة، أي في (D.E.A) تحت عنوان: ” تحديد مواقيت الصلاة في السنغال على مذهب المالكية “ ، وفي الميتريز كتبت عن:” إدراج تعليم اللغة العربية في المدارس الحكومية “ والذي أصبح فيما بعد كتابا، وأيضا كتبت رسالة حين كنتُ في( إيكول نورمال) عن: ” تمدرس الفتيات في السنغال“،  ورسالة الدكتوراه كانت اللغة بالفرنسية بعنوان: “إصلاح الفكر الاسلامي والتعليم العربي في السنغال من سنة: 1995-2010م”، ثمّ ألفت كتاب: ” النظام العالم الجديد والشباب المسلم “ وتم ترجمته إلى الفرنسية ثم طبع في (بوركينا فاسو).

إلى جانب ذلك قمت بترجمة عدة كتب، منها:

  • كتاب ” عبد الله واد زعيم وإلى الأبد “، ل(شارل مورو) ترجم إلى العربية، وطُبع في الفترة التي كان الأستاذ (بمبا انجاي) وزيرا للشؤون الدينية.
  • المصحف الكريم، ترجمته إلى ” الولوفية ” مع (شيخنا لوح) من طوبى، وطبع هذا المصحف من طرف جمعية التعاون الإسلامية.
  • كتاب: “ محمد النور الدائم“، لفتح الله غولن، ترجمتُه إلى ” الولوفية “.

كما قمت بكتابة عدة مقالات وبحوث، وإلقاء محاضرات كثيرة في السنغال وفي الخارج.

س5/ حينما رجعتم من السودان إلى السنغال مع العزم على مواصلة الدراسة والعمل، فكيف بدأتم العمل؟ ومتى بدأتم مزاولة الوظائف الحكومية ؟.

الدكتور: وأما بالنسبة للعمل الوظيفي فقد رجعت سريعا من السودان إلى السنغال للعمل وللدراسة. عندما رجعت وجدت الأستاذ (محمد بامبا انجاي) مديرا للهيئة الإسلامية العالمية فوظفني فيها، وكلّفني بتأسيس مدرسة: ” دار الحكمة ” وهي المدرسة النموذجية التي تعتبر أولى المدارس التي تجمع في التدريس بين العربية والفرنسية وهي ما زالت موجودة في ” غيجواي “، ووصلت مراحلها إلى الثانوية، وكنت حينها المسؤول عنها، إذن عملت في الهيئة مديرا لهذه المدرسة ثم بعد ذلك مديرا لقسم الاجتماع، ومسؤولا عن الأيتام في فترة الأستاذ (محمد بامبا انجاي)، وبعده (ابن عمر لي)، وبعده المرحوم (د. مانغوم سيسي)، وكان حظي دائما أن أجمع بين الدراسة والعمل، فهكذا كنت أعمل في الهيئة وأواصل دراستي في جامعة داكار في نفس الوقت حتى تحصلت على ” الليسانس ” ونجحت في مسابقة دخول (إيكول نورمال) وحينما كنت في التدريس كنت أواصل العمل مع الهيئة في نفس الوقت، فكانت ذلك تجربة رائعة و شاقّة، وهكذا استمريت حتى أنهيت مرحلة التدريب فعيّنت أستاذا في المدارس الثانوية الحكومة، وأرسلت إلى (سين لويس) في مدرسة (بال) أولا، ثم عيّنت مسؤولا عن قسم اللغة العربية في المفتشية الأكاديمية، ثم رجعت إلى دكار بعد سنتين وعيّنتُ من جديد إداريا في (وزارة محو الأمية)  ثم في (وزارة التربية الوطنية) حيث مكثت هناك عشر سنوات قبل أن أُنقل رسميـّا إلى( الوزارة الخارجية) في قسم الترجمة وهكذا..

س6/ ماهي المرجعية الفكرية التي كان يتبناها الوالد أو الوالدة؟ أو إلى أي طريقة كانوا ينتمون؟ علما بأن الصراع بين السنة والصوفية كان قائما، قبل أن تلتحق بمدرسة جماعة عباد الرحمن؟.

الدكتور: شكرا جزيلا، فعلا كانت بداية الدعوة السنية صعبة نوعا ما، أولا لأني من أسرة مريدية بَاْيفَالِيّة؛ فوالدي مريدي ، وأمي بَاْيفَالِيّة، ورغم أنها كانت تصلي وتصوم لأنها كانت تحت رجل مريدي وملتزم؛ إذن لم تكن ممارسة الدعوة في البداية أمرا سهلا. وثانيا: عندما فتح الأستاذ (بابكر غي) مركزا سنيا لتعليم الكبار القران والعلوم الشرعية، كان أهل الحي يرفضون هذا المركز، وعندنا في ذلك أمثلة كثيرة، أذكر على سبيل المثال: أني مرة رجعت من المركز فأرسل والدي أختي تناديني، وعندما ذهبت إلى الوالد قال لي : أحقًّا أنت تدرس في مدرسة اليهود؟  في مركز اليهود؟، فقلت له: سبحان الله !! يا أبتي هؤلاء ليسوا يهودا؛ فإنهم يصلون ويصومون…، فقال لي: إذن ليسوا بيهود، و كان أهل الحي يروجون ويشيعون إشاعات من هذا القبيل بأنه قد فتح مركز جديد لليهود في الحي. هكذا كانوا يرون، إذن كنا نعيش مرحلة صعبة.

والمثال الآخر: مرة صلينا ونحن صغارٌ في مسجد الحي، وكان من العادة أن يجتمع المصلون أمام باب المسجد بعد الصلاة حيث يدعو الإمام، وهذه المرة قال الإمام : قبل أن أشرع في الدعاء لا بد أن أقول لكم بأن هؤلاء الشباب يزعجوننا في الصلاة بقولهم آمين جهرا، يُؤَمِّنُون بصوت مرتفع لدرجة أنهم يزعجوننا، مشيرا إلي قائلا : إما أن تتركوا هذا أو أن تخرجوا من المسجد، فقلت له: يا إمام، نحن شباب درسنا في المركز بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا قال الإمام: )غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ( أن نقول آمين، ونحن شباب وطلاب، إذا رأينا ما هو أصح مما كنا عليه أخذنا به وتخلينا عن غيره، فقال لي بلهجة خشنة : أبوك لا يجادلني ولا يخاصمني، المهم لك الخيار أن تواصل الصلاة في المسجد بدون رفع الصوت عند التأمين أو أن تترك المسجد.

هكذا كنا نعيش، وكان صعبا نوعا ما، حتى داخل بيوتنا؛ لأن كل تصرفاتنا وكل سلوكياتنا غريبة على الأهل والجيران، وكنا إذن غرباء في بيوتنا كنا يقول (سِيدِ لَمِنْ انياس).

وهكذا عشنا، وأنا أتذكر مرة نادى أبي إلى عقد جلسة تأديبية وقال لإخواني الكبار: موسى هذا بدأ يعوقني ولا يحترمني؛ لأنه عندما يسلم علي لا يسجد على يدي، ووالدتي نادتني وقالت لي: أرجوك! أرجو أن تسجد له فقط ، فقلت لها يا والدتي، لا أستطيع ذلك، لأن هناك آية تقول: )لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ( [فصلت: 37] إذن كنا نعيش فعلا فترة صعبة جدا في بداية الدعوة.

س7/ ما علاقتكم بجماعة عباد الرحمن؟.

الدكتور: شكرا !! علاقتي بجماعة عباد الرحمن هي علاقة الأب بالابن، سألني في الأيام الأخيرة أحد الإخوة من المجموعة قائلا: ما تاريخ انضمامك إلى جماعة عباد الرحمن؟ فقلت له : انضممت إلى الجماعة قبل ولادتها؛ لأني كما قلت لكم دخلت في مدرسة جماعة عباد الرحمن  قبل نشأة الجماعة؛ لأن الأساتذة الأجلاء الذين أسسوا الجماعة كانوا،  قبل عامين أو ثلاثة من إنشائها، قد خرجوا من الاتحاد الثقافي الإسلامي وكانت لهم مدرسة باسم الاتحاد في حَيِّ (Diamagueune) بـ(تياس)، ثم عندما خرجوا تركوا هذا المعهد واستأجروا معهدا جديدا، وذلك قبل بناء مدرسة (بلال)، ونحن كنا الطلاب الاوائل في المدرسة التي استؤجرت.

 ومكثنا هناك حوالي سنة أو سنتين قبل إنشاء الجماعة فكنا من الطلاب الأوائل للجماعة، وكنا مجموعة صغيرة العدد، ولم نكن طلابا عاديين، بل كنا نختلف إلى بيوت الأساتذة ونرافقهم ونحضر المحاضرات والأنشطة التي كان ينظمنها أمثال الإمام (علي جوف) والأستاذ (مالك انجاي) ، والأستاذ (بابكر غي) رحمهم الله، والأستاذ (سيدي غالي لوح) والأستاذ (الحاج درامي)  أبقاهم الله .

وعليه أنشئت الجماعة وكنا نحن شبيبة الدعوة، على سبيل المثال، كنت أسمى بـ(عبد الله ابن عباس) لصغر سني أو نجل الجماعة، إذن أنا دخلت في جماعة عباد الرحمن عندما كنت في نعومة أظفاري.

وبالجملة فلقد دخلنا فيها وترعرعنا فيها، وفي البداية كنا في لجنة الشباب تحت إدارة الأستاذ (بابكر غي) ثم تحولت لجنة الشباب إلى حركة الشباب وأصبحت نائب الرئيس فيها، وعندما أرسلت للعمل في (سين لويس) كنت رئيسا لهيئة التنسيق الإقليمية لمنطقة سين لويس قبل أن أرجع إلى دكار لأعين رئيس للجنة الدعوة والتكوين، ومن ثم عينت نائبا للسكرتير العام  للجماعة قبل أن أكون النائب الثاني لأمير جماعة عباد الرحمان، وخلال هذه الفترة كنت الناطق الرسمي للجماعة، فهذه بعض المناصب التي ابتليت بها في الجماعة.

س8/ كيف علاقة فضيلتكم بالطرق الصوفية ؟.

الدكتور: أما عن الطرق الصوفية فلا أتذكر أني انضممت إلى طريقة صوفية رغم كون والدي مريديا وكان يحثني على أخذ الورد كما يقولون، ولكني كنت منذ الصغر عضوا في جماعة عباد الرحمن، رغم أنه كانت وما زالت تربطني بالطرق الصوفية في السنغال علاقة طيبة صراحة؛ لأنني أومن بضرورة توحيد كل الجهود الصادرة من مختلف القوى الإسلامية في البلاد لإقامة مجتمع إسلامي حقيقي في السنغال. وأنا مقتنع بأن هذا ليس بمقدور طائفة دينية واحدة، وناهيك عن جمعية أو منظمة اسلامية واحدة. وعندي علاقات عمل على مستوى المؤسساتي مع أكثر هذه الطرق، كم من مرات شاركت في جامعة رمضات للمستؤشدين والمسترشدات كمحاضر، كما أشارك في أنشطة دائرة روض الرياحين سواء في طوبى أم خارجها. وشكرا .

س9/ فضيلة الدكتور لو تفضلتم بذكر طائفة من النشاطات التي تقومون بها على مستوى منطقة غرب أفريقيا علما بأنكم من مسؤولي غرب أفريقيا للعمل الإسلامي؟.

شكرا، وأما على المستوى الإقليمي فقد أنشئت فيه منظمة الشبيبة المسلمة لغرب إفريقيا (OJEMAO) ، وهي منظمة طلابية شبابية تكونت من قبل الجمعيات الطلابية في منطقة غرب أفريقيا الناطقة باللغة الفرنسية، فهي أنشئت على مستوى الجامعات، وكان المقر في (بوركينا فاسو) ، وكنت في البداية مسؤولا للجنة التربية والتكوين قبل أن أعين رئيسا للمنظمة خلال أربع سنوات.

ووجودنا في المنظمة ساعدني كثيرا في مجال تكويني الثقافي والعلمي والحركي؛ حيث ذهبت إلى كل دول غرب أفريقيا تقريبا، لأنه كان من برامج وأنشطة المنظمة إقامة دورات سنوية للتدريب والقيام بمخيمات ثقافية في شتى بقاع هذه الدول، وأصبحت لنا معارف في هذه المناطق، وعرفنا كثيرا من مكونات الدعوة والعمل الإسلامي في تلك المناطق وطبيعة العمل الإسلامي لكل دولة من هذه الدول.

س10/ فضيلة الدكتور بلغنا أنكم عينتم للتدريس في كلية الدعوة الليبية كما بلغنا أيضا حسن تعاملكم مع طلاب كلية (بير) حينما كنت أحد المدرسين هناك. فهلا ذكرتم لنا كيف تم تعيينكم في الكلية الليبية وكيف استطعتم أن تجعلوا طلاب كلية (بير) يذكرون علاقتكم الطيبة؟.

الدكتور: شكرا بالنسبة لكلية الدعوة الإسلامية بـ(بير) كانت هناك منح دراسية سنة 2006م، قدمتها منظمة (ISESCO) إلى كل دول أفريقيا وقد حظيت السنغال بثلاث منح، وعلى أساس الشهادات والتجربة العملية كنت ممن عينوا أنا و(باتي غي) ” لوغا ” و(كومبا جور سال) ” ريفيسك ” وعندما ذهبنا إلى ليبيا كنا نعد الماجيستير في التأهيل التربوي لتكوين المكونين وخرجنا بامتيازين، وجئنا أوائل في الفوج، لذلك سمحوا لي بالتسجيل في الدكتوراه في كلية الدعوة الإسلامية بدون المرور بمرحلة الماجيستير في الكلية نفسها ، وبعد رجوعي الى السنغال عينوني مدرسا في فرع (بير).

وأعتبر مروري بكلية الدعوة من أثمر أوقات حياتي وأجملها وكفاني فخرا أن مجموعة من الشباب المتميزين قد مروا بأيدينا وساهمنا في تكوينهم العلمي والثقافي، من أمثال: شيخ أحمد جينغ ، الحسين كن، مصطفى صار، منصور سين…

س11/ ماهي المواد التي كنت تدرسها في هذه الكية؟.

الدكتور: كنت أدرس فيها التربية: طرق التدريس وعلم النفس، علما بأني متخصص في التربية في علم الاجتماع وعلم النفس، وهذه المادة ساعدتني كثيرا على معرفة مشاكل الطلبة والشباب، وكنت أسعى جاهدا لحل هذه المشكلات، ولعل ذلك من أسباب قوة العلاقة بيني وبينهم، وأوجد حبا شديدا بيننا.

س12/ كيف أصبح فضيلتكم مدرسا في جامعة (تياس) الحكومية؟ وما هي المواد التي توليت تدريسها هناك؟.

الدكتور: عُيِّنْتُ فيها كأي أستاذ ما، قدمت أوراقي. وكنت أدرس فيها: الترجمة، واللغة العربية،  كما كنت أقدم دروسا في بعض المعاهد والكليات ما فوق الجامعة، والتي تخرج طلابا لمرحلة الماجيستير في اللغات، وفي التمويل الإسلامي.

س13/ أشعر بقيمة دراسة اللغة الفرنسية خلال هذا اللقاء، فكيف تفسرون لنا إتقانكم للغة العربية والفرنسية معا؟ وهل ترون أن دراسة اللغة الفرنسية شرط للاندماج الوطني للطالب المستعرب؟.

الدكتور: فعلاً؛ أنا تعلمت اللغة الفرنسية ((Dans le tas كما يقولون، من قبل الزملاء وأبناء عمي وإخوتي، كنت الوحيد ــــ كما قلت ــــ أدرس القرآن في بيتنا، وكان إخوتي كلهم يدرسون الفرنسية، كنت إذن أتابعهم في الدراسة وأذهب معهم إلى فصولهم في الأحيان، وعندما وصلوا إلى مرحلة الشهادة الابتدائية شاركت معهم كم مسمع حر ونجحت، ثم نجحت في مسابقة  فرانكو عراب ، وأخيرا التحقت  بجامعة دكار، والدراسة في الجامعة كما تعرفون أكثرها باللغة الفرنسية، حتى بعض المواد العربية تدرّس بالفرنسية مثل: (اللغة والبلاغة في بعض الأحيان) وهذا من غرابة الأمور في السنغال.

المهم نحن في السنغال نعاني من الاستعمار الفرنسي، والاستعمار الفرنسي أخبث بكثير من الاستعمار الإنجليزي، مرة التقينا بالشيخ الترابي ـــ رحمه الله ــــ، وقال لنا: هل أنتم من السنغال؟ قلنا له: نعم. قال إذاً أنتم تعانون من مشكلة الاستعمار الثقافي، قلنا له: فعلا ، قال: إن الاستعمار الفرنسي أكثر سوءً من الاستعمار الإنجليزي، (كلام بليغ)، قلنا له لماذا؟ قال: لأن الاستعمار الإنجليزي إذا جاء إليك يأخذ اقتصادياتك وخيراتك ثم ينصرف، وأما الاستعمار الفرنسي إذا جاء يأخذك أنت، يأخذ عقلك ويأخذ فكرتك، ويغيّر سلوكياتك.

وهذا بالطبع ما فعلته بنا فرنسا، إذن لنجابه هذا الاستعمار لابد أن نعرف لغتهم وثقافتهم، ولا يتأتى ذلك إلا بدراسة المستعرب لغتهم وخاصة في السنغال، وكذلك الحال إذا أراد فعلا الاندماج الاجتماعي والوطني، وإذا أراد أيضا أن يحْظى خطابه الدعوي بالنجاح.

على سبيل المثال: في أحد الأيام كنت قد استدعيت في برنامج في التلفزة الوطنية (RTS) وكان باللغة الفرنسية، وعندما أصبحت في اليوم التالي بدأ كل الناس يتصلون بي ويهنئونني على نجاح هذا البرنامج، وكنت مستغربا، فقلت لأحد الإخوة: أنا استغربت كثيرا؛ لأني لم أتحدث في هذا البرنامج إلا خمس عشرة دقيقة، ولكن كل الناس يستحسنونه، وكم مرة أنا تحدثت في نفس الموضوع باللغة الولوفية في كل الإذاعات الأخرى بدون أن أجد هذا الصدى، فقال لي: لأنك تكلمت بالفرنسية والسنغال يبجّل الفرنسية.

إن على الدعاة والشباب والطلاب أن يحاولوا إتقان اللغة الفرنسية إذا أرادوا أن يندمجوا اجتماعيا، ويمرّروا خطابهم الدعوي المنشود الآن، والمؤمل الواحد لإنقاذ السنغال.                         

أجرى الحوار الأخ الوالي بدر صو  بتاريخ: 03/02/2017م.

الوسوم

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. ما شاء الله ،، لقاء رائع جدًا،، استفدت منه دروسا يمكن إجمالها في نقاط :
    1- أن للأسرة الصالحة دورا كبيرا في تكوين الإنساني الفكري والخلقي .
    2- أن منطق النجابة يتطلب تحديد الهدف ووضوح الرؤية،، وهذا ما ظهر جليا منذ طفولته فضيلته رغم الدعوات المضادة.
    3- أن الانخراط في العمل الجماعي من أعظم مكونات الشخصية المؤثرة في المجتمع .
    4- أن اكتشاف الذات سبيل التغلب على المعوقات ، كما هو جلي في تمكنه من اللغة التونسية رغم الدراسة غير المنتظمة لها.
    5- أن الوسطية مطلوبة سلوكيا وممارساتيا أكثر منها نظريا ، وتجلت هذه الوسطية الممارساتية مع زميله المريدي.
    6- أن الدكتور ابن بيئته وتمثلت هذه الابنية في أن معظم إنتاجاته الفكرية تنصب حول قضايا السنغال، خصوصاً في التعليم تشخيصا للداء ووصفا للدواء، تنظيرا من خلال التأليف، وتطبيقا من خلال التدريس.
    هذا وغيره ،، مما يفسر المناصب العليا التي تقلدها.
    وأخيرا نسأل الله سبحانه أن يحفظه ويمتعه بالصحة والعافية.

  2. ماشاء الله تبارك الله، جزاكم الله خيرا على هذا المتقن لنص الحوار الذي دار بينكم وبين أستاذنا الغالي الداعية والمفكر الإسلامي والحركي الدكتور الحاج موسى، فقد كان تفريغا لتجربة مثيرة للاقتداء، شخصية قدوة بكل المقاييس في جلده أمام كل الصعوبات من أجل بلوغ الأهداف النبيلة التي رسمها لنفسه، فجزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم وفي الضيف الكريم.

اترك رداً على أبو سلمان جينغ إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق