أبحاث ومنشوراتاسلاميات

انطباعات عن كتاب : (جماعة عباد الرحمن في السنغال: التاريخ والمنهاج)

 

أ. فاضل صار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الأبرار، وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

بعد قراءة كتاب أخينا المفتش نجوغومباكي صامب قراءة أولية وسريعة، أملا أن يحالفني الحظ في وجود فرصة للرجوع إليه لقراءة متأنية وفاحصة، فقد ظهرت لنا انطباعات بسيطة نسجلها هنا، علها تساهم في إثراء جهوده المضنية وتطوير محاولاته الموفقة- إن شاء الله –

 فنقول:

  إن الكتابة عن جماعة عباد الرحمن مسؤولية كبيرة، وتحدمرتفع جدا، يقدم له فارس مغوار؛ ذلك أن هذه الحركة ظاهرة اجتماعية مبتكرة، وسابقة تاريخية من نوعها في البلاد، برزت في فترة انتقالية، وأنشئت بصورة مبدعة منتظمة، ظهرت في هذا الانشاء عبقرية تجديدية هادفة، لدعوة إصلاحية شمولية، جعلت الجماعة ترسم معالمها، في فترة وجيزة، على امتداد طول البلاد وعرضها،  وتعطي ثمارا يانعة، وتقدم عطاء بعد عطاء يشري في قطاعات المجتمع كله، حتى أصبحت الجماعة وطرحها واقعا اجتماعيا مشاهدا وملموسا.

فمجرد الإقدام على هذا الميدان الوعر، وهو التأليف عن جماعة عباد الرحمن والتهيؤ للإدلال بالدلو في أمواجه المتلاطمة، من موضوع بكر ذي شجون، لدلالة واضحة على الشجاعة الأدبية والثقة بالنفس والطموحات بالتألق، مما يحمد على باحث شاب مستعد لرفع التحدي ومهتم بمعالي الأمور.

 ولقد لفتت نظري وأنا أقرأ هذا السفر العلمي المبارك عدة أمور:

أولا: سلامة اللغة العربية للكتاب، وسلاسة أسلوبها وسهولتها وجذالتها، وعلو مستواها التعبيري، كأني أقرأ لكاتب في الستين أو السبعين من عمره المبارك، اكتسب الذوق السليم بطول قراءته للبلغاء والأدباء والكتاب.

ثانيا: حرص المؤلف على تقديم صورة بيانية مستفيضة عن جماعة عباد الرحمن لتكون أنموذجا يحتذى بها، وتقود أهلها ومجتمعها لنشر رسالة الإسلام ؛ ذلك بأن المجتمع المسلم بحاجة إلى إطار مرجعي يلتف حوله لإقامة المشروع الاصلاحي المنشود.

ثالثا: حسن عرضه خيارات الجماعة المنهجية والحركية عرضا علميا مؤصلا، والدفاع عنها دفاعا مستميتا، بأدلة وبراهين شرعية قوية، تطمئن المنضوين تحت لواء الجماعة وتجذب الباحثين إلى الحق بالدليل.

رابعا: إنصافه للصوفية والمتصوفة؛ فهو خيار استراتيجي له مردوديته الايجابية على الدعوة الإصلاحية وعلى الأمة المسلمة كلها، وهو موضوع كم أخفقت وعثرت فيه حركة إصلاحية، فمستقبل النهج الاصلاحي والإسلام بصفة عامة، في هذا البلد مرتبط بتكاتف جميع المسلمين يدا واحدة وصفا واحدامن مختلف انتماءاتهم.

هذا، وقد ارتأيت ابداء جملة من آراء متواضعة، بعضها منهجية وأخرى فكرية، آملا أن يحالفني الحظ في أخذها بعين الاعتبار من جناب المؤلف المحترم والقراء الكرام.

أولا: تناول المؤلف الكتابة عن جماعة عباد الرحمن على غير عادة أسلوب كبار الكتاب والمؤلفين، وإنما تناول مؤلفه هذا كأنه طالب جامعي يعد رسالة ماجستير أو أطروحة دكتوراه، في تقسيماتهما المنهجية، من فصول ومباحث ومطالب، إلى غير ها من نقاط… كأن  الكتاب أصل لأحدهما؛ من رسالة أو أطروحة علمية، أو صت الجماعة بطباعتها، وفي مثل هذا المقام، عادة، تعاد الصياغة وتحذف التقسيمات والتفريعات المنهجية لأهل التخصص، لتلتئم مع ماهو مألوف في عالم التأليف والكتابة للعوام.

ثانيا: اعتماد كتاب ( التاريخ السياسي للإسلام في السنغال) للأستاذ عبد الكريم سار مرجعا أساسيا لجمع المادة العلمية للكتابة عن جماعة عباد الرحمن؛ حيث أحال المؤلف إلى هذا الكتاب كمصدر سبع مرات على الأقل، لإثبات المطالب العلمية، والمرور على هذا المرجع مرور الكرام، رغم المؤاخذات المنهجية والعلمية على كتاب أخينا هذا[1]، وخاصة ما يتعلق بموضوع جماعة عباد الرحمن التي يقوم المؤلف بإماطة اللثام عنها ودحض الشبهات الملصقة عليها، وتقديم حقيقتها وصورتها الصحيحة للقراء.ولعمري تصرف من هذا النوع يعتبر إقرارا صريحا وتسليما لما ذهب إليه صاحب كتاب التاريخ السياسي للإسلام في مؤلفه هذا، فيوحي نوعا ما إلى ضعف الوعي الحركي والعلمي، والتساهل المنهجي. وإن تعجب فعجب خفاء هذه القضية عن لجنة التحكيم العلمية المستقلة.

ثالثا: رغم أن الدراسة شاملة عن تجربة جماعة عباد الرحمن، إلا أن موضوع الطلاب لم يستوف حقه من البحث والتمحيص؛ حيث إن الجماعة هي التي غرست بذرة العمل الطلابي في جامعة دكار والمدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية والمعاهد في البلاد، وكانت قيادة الجماعة مع التلاميذ والطلاب في هذه المؤسسات توجيها وإشرافا  إلى أن قامت جمعية الطلبة والتلامذة المسلمين، سنة ١٩٩٣م ، كحركة مندمجة تعمل جنبا إلى جنب مع جماعة عباد الرحمن لتحقيق المشروع الاصلاحي في السنغال، بقيادة الأخ بابا ساخو ثم خلفه صالح درامي الذي ترك المشعل على يدي منصور نجاي، والأولان كانا عضوين في جماعة عباد الرحمن، كما أن الأخير وإن لم ينضم رسميا إلى الجماعة، كان امتدادا لسلفيه، ويشاطرهما تنفيذ أهداف الجماعة ومسارها الاصلاحي، وكان العمل الطلابي في أوج ازدهاره، ثم حدث تحول انقرض معه نفوذ الجماعة لدى الطلاب، فانحازوا نحو الاستقلال، وخرج مسجد جامعة دكار العامل الأساسي للتجنيد ونشر الدعوة من يدي الجماعة، مع أن العمل الطلابي والعمل الجماعي الاجتماعي عضوان لجسم واحد لا ينفكان؛ ذلك أن الجامعة هي المدد للجماعة الأم، في الحركات الاصلاحية في العالم. كنت أنتظر من الدراسة التعرض بإسهاب لهذه التجربةالمشرقة، وما لها من انجازات وإخفاقات ، فعثرات ومألات ، ثم اقتراح سبل لحلول ناجحة.

رابعا: مرت جماعة عباد الرحمن بمراحل كثيرة، صعودا وهبوطا، فبعد مرحلة التأسيس والنشأة المباركة للجيل الأول استقى تكوينه الأولي من مناهل رواد الصحوة الاصلاحية؛ من جمعية العلماء الجزائريين والاخوان المسلمين في مصر أرض الكنانة، والدعاة السلفيين من بلاد الحجاز وما حولها، وكبار قادة الفكر في أرض الوطن. إلا أن الجماعة ترعرعت وازدادت نضجا،فكرا وحركة وتنظيما بالاحتكاك بالإخوة في السودان، مع تخرج نخبة متميزة من طلاب جامعات السودان معقل الحركة الاسلامية آنذاك؛ حيث يوجد للجماعة أول فرع طلابي لها في الخارج، ولم يسبق للجماعة أن يحظ بانضمام هذا العدد الضخم من الكوادر الخريجين المستعربين، مما يدل على سلامة المنهج التكويني للإخوة في السودان، وتقار ب الرؤى مع إخوتهم في السنغال، وكانت تربط قيادة الجماعة بالقيادة في الحركة السودانية علاقةمتميزة، مع احتفاظ الجماعة باستقلاليتها، كما هو دأبها في الشراكة والتعاون مع الغير،ولاشك أن هؤلاء الطلبة الذين اشرأبوا بالتجربة السودانية أضافوا إضافة نوعية في مرحلة التمدد والتوسع والانفتاح، وتأصيل الفكر الحركي والتنظيمي، وبصماتهم واضحة في الوثيقة التوجيهية للجماعة، وكاتب هذه السطور شاهد عيان لهذه القضية. فالسكوت عن هؤلاء في التأريخ لجماعة عباد الرحمن، ولو بالإشارة إليهم يعتبر بخسا للناس أشياءهم( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)[ الشعراء، ١٨٣].

خامسا: بعض المطالب تعتبر استطرادا لاتضيف معلومة نوعية ولا تثري موضوع بحث، فلو أخذنا مطلب الجهود الفردية (ص ٢٠٦) لا يكاد تدرك فائدة هذا المطلب ، فضلا عن أنه يصعب على القارئ الحصيف تفهم مصداقية اختيار عيناته، فعلى سبيل المثال تلاحظ غياب شخصية دكتور تالا امبنغ النائب الثاني للأمير عبد الله لام، فهو شخصية أكاديمية تربوية، مر على يديه أغلب مفتشي اللغة العربية من الجيل الثاني، وله إرث تاريخي مقدر، شاهد أغلب تطورات الجماعة، تلميذا وطالبا، معلما ومكونا، وكان يؤدي دور الأمين العام الفعلي والسكرتير الخاص الوفي لأمراء الجماعة،بدء من سيدي غالي مرورا بالأستاذ مالك والشيخ أحمد جاه ثم الأستاذ سرين بابو إلى أن انتخب نائبا للأمير في هذه الدورة، فهو المرجع الوثائقي للجماعة ومترجمها المحترف، من عربية وفرنسية. صحيح أن دراسة كهذه لا يمكن فيهاوضع النقاط على جميع الحروف، لكن من الصعب جدا تبرير غياب شخصية علمية أكاديمية في مقام دكتور تالا، وذكر شخصيات دونها علما وأداء وولاء.

سادسا: لقد أسلفت تقديري انصاف المؤلف للصوفية والمتصوفة، ودفاعه السليم والمتين عن هذا الخيار الاستراتيجي والمصيري، وتحمسه للعمل المشترك معهم. ومن هنا أعلن صوتي عالياو داعيا إلى هذا الانصاف نفسه لإخوة الجماعة في الساحة السنغالية، وخاصة أختها التي تشاطرها توجها ومسارا، فكرة وحركة، وقد التقيتا في أكثر من مشهد، محليا وعالميا، كما عملتا معا في أكثر من جبهة موحدة، محليا وعالميا، ونسقتا معا لتنفيذ برامج عمل مشتركة موحدة، وفقتا في بعضها وأخفقتا في الأخرى، ويرقد في الرفات برنامج عمل مشترك طموح بين الحركتين؛ جماعة عباد الرحمن والتجمع الإسلامي في السنغال، في إطار العمل الوحدوي المنسق، كان ثمرة يوم دراسي جمع بين قيادات الحركتين.

كان الأولى في هذا المقام ذكر هذه الأمور ولو بالإشارة، ثم اقتراح آفاق مستقبلية لتطبيقهابغية تأسيس عمل اصلاحي مشترك وموحد في البلاد، لا غض الطرف عنها وتجاهلها.

تلكم خواطر ظهرت لي حين قراءة أولية لكتاب جماعة عباد الرحمن في السنغال : التاريخ والمنهاج.

هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

الهوامش:

[1]راجع المقال ” قراءة في كتاب (التاريخ السياسي للإسلام في السنغال)

الوسوم

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. جزاكم الله خيرا سعادة المفتش على هذه الأفكار النيرة، وما إخال الكاتب إلا أنه سيستفيد منها في تقويم الكتاب أكثر فأكثر

  2. جزاكم الله خيرا على هذه الانطباعات النيرة التي إن دل على شيء فإنما تدل إلمامكم بتاريخ الجماعة والظروف التي أحاطت بمسيرها

  3. خواطر ذات فوائد جمة ،وفيها ظهور احترام الكاتب للمؤلف واعجابه بمنهجه وأسلوبه السلس نهيك عن شجاعته الأدبية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق