أبحاث ومنشورات

النقد الموضوعي الجزء الأول

 

(*) محمد مصطفى جالو

الحمد لله المتفرد بالكمال، والصلاة والسلام على نبينا محمد المعصوم، وعلى آله وصحبه وسلم.

فإن مما تميز به علماء الإسلام أنّهم كانوا يرون أنّ القداسة ليست إلا للنصوص القطعية من الكتاب والسنة والإجماع، وما عداها من آراءٍ فهي قابلة للنقاش وإبداءٍ للرأي، وبيان مواضع الخلل والقصور فيها، وبذلك استطاعوا أن يردوا الأباطيل، ويفرِّقوا بين الغث والسمين، وبين صحيح الأقوال وباطلها؛ حتى شاع بينهم أن كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُردّ إلا النبي صلّى الله عليه وسلم.

        ومع ذلك كله فإنهم كانوا يُنصفون من يوجهون إليه النقد، فلم يكونوا يبخسونهم حقوقهم، أو يتجاهلون ما أصابوا فيه من الحق، أو يعْرِضون عن كل ما صدر من الذين كانوا ينتقدونهم، بل كان بغية أولئك العلماء النقاد من أهل الحديث وغيرهم هي  قبول ما وافق الحق بغض النظر عن قائله، وردّ ما جانب الصواب وإن صدر ممن له قدم صدقٍ وسبقٍ في هذه الأمة.

ونظرا لأهمية النقد وكونه وسيلةً لردّ ما جانب الصواب في ديننا الحنيف، أردت في هذا البحث تناول موضوع النقد، وذِكرَ بعض المعايير التي يمكن أن يكون مقياسا لكل نقد في الساحات العلمية في هذا العصر الذي كثرت فيه الردود غير المتسمة بالنزاهة والموضوعية بين طلاب علم الشريعة؛ مما أدى إلى التنافر والتباغض والتقاطع، وفي هذا ضرر واضح على الدعوة الإسلامية، وأسميته: النقد الموضوعي.

مشكلة الدراسة:

إن انتشار التنابز بالألقاب والتعصب للأشخاص بين طلبة العلم والدعاة بسبب الخلافات الفرعية التي تحدث بينهم، دون معرفة حقيقية لكيفية التعامل معها يدعو إلى دراسات مؤصلة حول النقد الموضوعي.

أهداف الدراسة:

– تقليل هوة الخلاف الدائر بين طلبة العلم والدعاة.

– تقرير أن النقد الموضوعي أصل كبير لرد انحرافات المنحرفين.

– توضيح أن النقد الصحيح هو الذي يجمع بين رد ما جانب الصواب، مع الحفاظ على فضائل المنتقَد.

المنهج المتبع في الدراسة:

لقد انتهجت في هذا البحث بالمنهج الاستنباطي، حيث إني أستنبط من خلال النقولات الواردة في البحث ما أريد تقريره، وما توصلت إليه من النتائج والتوصيات.

وقد قسمت البحث إلى خمسة مباحث على النحو التالي:

المبحث الأول: تعريف النقد الموضوعي، وتحته ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: معنى النقد لغة.

المطلب الثاني: معنى الموضوعي لغة:

المطلب الثالث: تعريف النقد الموضوعي اصطلاحا.

المبحث الثاني: مكانة النقد الموضوعي في الإسلام.

المبحث الثالث: اتجاهات النقد.

المبحث الرابع: معايير للنقد الموضوعي.

المبحث الخامس: وسائل تربية النفس على النقد الموضوعي.

الخاتمة، وفيها، النتائج والتوصيات، وملخص البحث.

المبحث الأول: تعريف النقد الموضوعي، وتحته ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: معنى النقد لغة.

النون والقاف أصل صحيح يدل على إبراز شيء وبروزه، وللكلمة معاني كثيرة منها:

أ – بيان جودة الشيء ورداءته، ومنه قولهم: نقد النقّاد الدراهم، أي ميّز جيدها من رديئها.(1)

ب – المناقشة في أمر ما، ومنه قولهم: ناقد فلان فلانا، أي ناقشه في الأمر.(2)

ج – الإعطاء، ومنه قولهم: نقده الدراهم، ونقد له، أي أعطاه إياها.(3)

د – إظهار العيب، ومنه ما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: ( إن نقدتَ الناس نقدوك )، أي أنك إذا عبت الناس واغتبتهم قابلوك بمثله.(4)

ولمادة ( النقد ) معاني أخرى غير السابقة الذكر، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع كتب المعاجم اللغوية.

المطلب الثاني: معنى الموضوعي لغة:

إن كلمة ( الموضوعي ) مأخوذ من لفظ ( وضع )، فإن الواو والضاد والعين أصل واحد يدل على خفض الأمر وحطه(5)، سواء أكان ذلك الخفض حسيا أو معنويا، وسواء أكان على جهة المدح أو الذم.

ومثال استعمال اللفظ مرادا منها أمرا حسيا قولهم: وضعت الشيء بالأرض وضعا.

وقد استعمِلت أيضا هذه المادة مرادا منها أمر معنوي، ومنه قولهم: الوضيع أي الشخص الدنيء.

أما استعمالها على جهة الذم فكأن يقال في وصف رجل سيء الأخلاق بأنه: دنيء الأخلاق.

وقد يستعمل مرادا منها المدح، ومنه قولهم: تواضع العبد أي تخاشع، وتذلل(6).

والموضوعي: اسم مفرد منسوب إلى موضوع، والرأي الموضوعي هو الرأي المجرد عن الهدف الشخصي، والبعيد عن الهوى والمصالح الشخصية(7).

المطلب الثالث: تعريف النقد الموضوعي اصطلاحا:

ويمكن تعريف النقد الموضوعي بأنه:

” منهج يمكّن السالك فيه من الوقوف على حقيقة الشيء، والتعامل معه على ما هو عليه بعيدا عن الهوى والتعصب ” (8).

والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي هي:

أن بينهما عموما وخصوصا من وجه؛ لأن النقد إذا كان مبنيا على الهوى وكان مقصودا منه الحطّ من قدر المنتَقد وإظهار عيوب عمله فقط فإن ذلك لا يُعتبر نقدا موضوعيا، وإن كان يسمى نقدا في اللغة؛ لأن من معاني لفظ ( النقد ) في اللغة إظهار العيب فحسب دون بيان الجوانب الإيجابية للشيء الذي ينقده الناقد.

وأيضا فإن الناقد الذي يركز على الجوانب السلبية للشيء الذي ينقده ويفرح به فإن تلك الفعلة من الناقد تُعتبر خصلة دنيئة وبعيدة عن مبدأ العدل والإنصاف الذي قامت به السموات والأرض.

أما الناقد الذي يُظهر الخلل الموجود في أمر ما، ويُشيد بالجوانب الإيجابية لهذا الأمر فإن ذلك يُعتبر تواضعا وإنصافا للآخر.

المبحث الثاني: مكانة النقد الموضوعي في الإسلام:

إن للنقد الموضوعي مكانةً رفيعةً في الدين الإسلامي؛ إذ به يمكن المحافظة  على هذا الدين الذي رضيه لنا ربنا سبحانه وتعالى من تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين(9).

وتظهر مكانة النقد الموضوعي في الإسلام فيما يلي:

أولا: أن النقد الموضوعي الذي يكشف لنا صواب الشيء من خطئه، وهو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم لما جاؤوا برسالات ربهم إلى الناس، فإنهم بينوا الضلال الذي كان عليه قومهم من عبادةٍ لغير الله عز وجل، وأخلاق سيئةٍ كانوا يتصفون بها.

ومع ذلك البيان فإنهم أبقَوا قومهم على الأعراف التي لم تكن تصادم الدين الذي جاؤوا بها، بل بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه إنما بُعث ليتمّم مكارم الأخلاق، وفي هذه الحكمة النبوية اعتراف بالخير الذي عند الآخر.

ثانيا: أن من مقاصد الشريعة العظمى حفظَ الدين من كل من يتلاعب به، أو يستهزئ به، أو يشكك الناس في أمر دينهم، ولذا شرُع قتل المرتد، ومعاقبة المفتي الماجن.

والنقد الموضوعي المتضمن بيان خطأ فكرةٍ ما منسوبةٍ إلى الدين وليست منها، فإن ذلك يدخل في حفظ الدين الذي هو أعلى مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء.

ثالثا: إن مؤلفات العلماء في الرد على الفرق الضالة المخالفة لأهل السنة والجماعة على مر التاريخ لأكبر دليل على مكانة النقد الموضوعي في الإسلام؛ إذ بتلك المؤلفات الماتعة عرفنا شبهات الفرق الضالة واستطعنا بتوفيق الله الحذر منها، فلو لم يؤلفوا في الرد على أباطيل تلك الفرق المنحرفة لما اتضح لنا كثير من الشبهات التي يتشبث بها تلك الفرق المنحرفة.

رابعا: أن الله سبحانه وتعالى الذي أمر بالدفاع عن الدين والذود عن حياضه حرم الظلم على نفسه، وجعله محرما بين العباد (10).

والنقد الموضوعي الذي يبرز خلل الشيء مع إشادة بالجانب الإيجابي منه جمعٌ بين امتثال أمر الله في حراسة الدين، وبين الانتهاء عن الظلم الذي حرمه الله بين العباد، وقليل من النقاد من يُوفق بين مراعاة حق الله وحق العباد في نقدهم للناس(11).

المبحث الثالث: الاتجاهات النقدية :

والناظر في حال الدراسات النقدية لآراء بعض العلماء، أو المصلحين، أو المؤلفين في هذا العصر سوف يجد أن هنالك اتجاهاتٍ ثلاثةً:

الاتجاه الأول: يتمّيز برد كل ما جاء من المنتقَد، وإن كان ذلك صحيحا موافقا لما كان عليه الرعيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، أو كان ذلك حكمة نافعة، ويكفي عند أصحاب هذا الاتجاه في نبذ المنتقَد، وجعله شيطانا رجيما، أو ضالا مضلا أن يقرأ لفلان أو يسمع من علان أن عند فلان بعضَ الأخطاء.

الاتجاه الثاني: يتسم بتقديس من يحبونه ويتقبلون بكل ما صدر منه، وإن كان باطلا، أو ضعيفا، أو مخالفا لما أجمع عليه الأمة!!!

فإن أصحاب هذا الاتجاه يغلّبون العاطفة على الموضوعية حين يقرأون لشخص يعجبهم، ولذا فإنهم يتكلفون في الدفاع عنه ولو كان ما ذهب إليه محبوبهم ذلك واضح البطلان.

الاتجاه الثالث: يتصف بالوسطية في الانتقاد فلا يبالغ في رد كل ما جاء من المنتقَد، أو يُفرط في قبول كل ما يقوله وإن كان معروفا بالصلاح والاتباع.

إن أصحاب هذا الاتجاه يزنون الأفكار بميزان الكتاب والسنة فما وافقهما قُبل وإن كان من مخالف لهم أو عدو لدود، وما خالف الكتاب والسنة رُدّ وإن كان من موافق لهم في المنهج، أو صديق حميم(12).

والنفس تطمئن إلى الاتجاه الثالث الذي يجعل معياره لقبول الأفكار والآراء أو ردّها موافقة الكتاب والسنة، أو مخالفتها لهما لما يلي:

أولا: أن الحق يبقى حقا بصرف النظر عمن صدر منه، كما أن الباطل يظل باطلا بغض النظر عن قائله، فمن غلّب جانب عدم قبول ما عند الآخر بحجة مخالفته للحق في بعض الأمور فإنه سوف يُحرم من الصواب الذي معه، كما أن من قدس شخصا واتخذه معصوما من الخطأ فسوف يعميه ذلك عن اتباع الحق ويفضي به إلى عصبية ممقوتة سادّة عن رؤية أخطاء مقَدَّسه وما جانب فيه الصواب..

ثانيا: أن هذا الاتجاه أقرب إلى الإنصاف والموضوعية، وأبعد عن الهوى والعاطفة اللتين غالباً ما تدفعان إلى عدم قبول الحق الذي فوق كل أحد.

ثالثا: أن ذلك أقرب إلى الوسطية التي تميزت بها الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، وأبعد عن الغلو المذموم في شريعتنا الغراء.

المبحث الرابع: معايير للنقد الموضوعي:

لما كان المقصود من النقد هو إحقاق الحق وبيانه، ورد الباطل وكشفه فإن ذلك يحتاج إلى ذكر معايير يستدل بها على موضوعية النقد ونزاهته، أو على اتسامه بالعاطفية والعصبية.

ولعل من أبرز المعايير التي تدل على موضوعية النقد ما يلي:

أولا: الإخلاص:

        الإخلاص معيار مهم لكل من نصّب نفسه لنقد آراء الناس ومذاهبهم وهو أمر لا بد منه؛ لأن رد الباطل والذب عن الدين عبادة، والعبادة إن لم تكن لله فلا تقبل، كما هو معلوم في الدين بالضرورة.

ويجب على كل أحد قبل أن يتكلم في شخص ما أو أن ينتقد قوله، أن يسأل نفسه هل يقصد بذلك إظهار الحق ورد الباطل، أو يحركه دافع آخر غير دافع الدين والذود عن حياضه، فإن كان الأول فليتوكل على الله وليُقْدم، وإن كان الثاني فليُحجم عن ذلك؛ حتى لا يقترف إثما عظيما كان بإمكانه النجاة منه.

فنقد الآراء وبيان صحتها، أو بطلانها يعتبر نوعا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل، وهذه الأمور كلها عبادة يشترط لقبولها النية الخالصة(13).

        قال صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى…)(14).

والعلماء – رحمهم الله – كانوا يراعون هذا المعيار في نقدهم للناس ومناظرتهم للمخالفين، من ذلك ما قاله الإمام المزني رحمه الله: ( وحق المناظرة أن يُراد بها الله عز وجل، وأن يُقبل منها ما تبيّن …)(15).

وأيضا فينبغي للناقد المخلص في نقده أن ينظر إلى المنتَقد بعين الرحمة والشفقة، وسلامة القلب، لا بعين الكره والبغض، أو بعين الازدراء والتحقير.

ثانيا: حمل كلام المنتَقد على المحمل الحسن ما دام محتملا لذلك:

        عندما ينبري شخص لنقد الآخرين، فإنه يحتاج إلى معرفة تامة للمنتقَد، ولا يتأتى ذلك إلا برد مجمل كلامه إلى مبيَّنه، ومطلقه إلى مقيَّده، كما يجب عليه أن يعرف منهج المنتقَد الذي يسير عليه، ويقرره في مؤلفاته وخطاباته.

إن عدم مراعاة هذا المعيار أدى إلى حمل كلام المنتقَد محملا قد لا يقصده هو، لاحتمال أن يكون كلامه مجملا، قد بينه بيانا شافيا في موطن آخر.

ثالثا: الرجوع إلى مؤلفات المنتقَد:

إذا أراد الناقد أن ينقد آراء شخصٍ ما فيجب عليه الرجوع إلى مؤلفاته التي هي مظان آرائه وفكره إن وجدت له مؤلفات، كما يتحتّم عليه دراستها دراسة فاحصة ومتأنية، ويحاول أن يستوعب الأفكار التي يريد انتقادها، ويرتب المؤلفات حسب تاريخ تأليفها؛ حتى لا يَنسب إلى المنتقَد شيئا قد يكون رجع عنه في آخر ما قام بتأليفه؛ ولذا يعاب على الباحث في الرسائل العلمية أن يأخذ أقوال مذهب ما في كتب المذاهب الأخرى، مع توفر المؤلفات لذلك المذهب، وهذا الأمر شيء بدهي لمن تعلم مناهج البحث العلمي.

وقد غفل عن هذا المعيار كثير من الدعاة، حيث تجد منهم من ينتقد شخصا ولم يقرأ له قط، وإنما يردّد ما يردد الناس، وهذا مثله كمثل الببغاء الذي يردد كل قول يسمعه دون معرفة معناه.

وهنا شبهة يجب التنبيه عليها وهي أن بعض الدعاة إذا عارضته بهذا المعيار سوف يقول لك:

 أنا أثق في الشيخ الذي انتقد فلانا على كذا وكذا، فقد كفاني عناء الرجوع إلى كتب المنتقَد؛ لأنه ثقة وعالم….

أقول لمثل هذا: إننا لا نشك في العلماء الربانيين الذين شُهد لهم بالعلم والتقوى والعمل، إلا أنهم بشر وسيبقون كذلك، ويعتريهم ما يعتري غيرهم من البشر من نسيانٍ، أو وهمٍ، ولذا فإن الأولى والأجدر هو الرجوع إلى ما نسجه المنتقَد، بدلا من الاكتفاء بنقولات الناقدين، ولا يصار إلى التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله.

رابعا: التماس العذر للآخرين كلما أمكن:

من الأمور التي يسلم لها العقلاء أن كل إنسان معرض للخطأ، وعدم إصابة الحق في جميع ما يذهب إليه؛ خصوصا إن كان الأمر متعلقا بما للعقل فيه مجال، كذلك فإن بعض الظروف التي تحيط بالشخص قد يمنعه من الوصول إلى الحق، كنقصان المصادر عنده بسبب أو بآخر، مثل ما كان عليه أجدادنا أيام الاستعمار(16)، فالمستعمر كان يحجز عنهم كثيرا من كتب السنة التي فيها بيان العقيدة على منهج الصحابة والتابعين، ويتيح نشر الكتب التي فيها خلل في العقيدة، ولذا فإن أكثرهم تربَّوا وتعلموا بواسطة تلك الكتب المتاحة في تلك الحقبة من الزمن، ومن الخطأ عندما ننتقد آراء الأجداد في بعض المسائل الدينية أن نجعلهم خصوما لنا وكأنهم أُتِيح لهم الاطلاع على جميع الكتب التي اطلعنا نحن عليها في هذا الزمان، أو جعْلِهم كأنهم خالفوا المنهج الصحيح في بعض مسائل الدين عمدا واختيارا منهم، والأليق في هذا المقام بيان الصحيح وإعذارهم فيما لم يوفقوا فيه، مع اعتراف فضلهم وجهودهم في محاربة الاستعمار بكل ما أوتوا من قوة.

ومعيار التماس العذر للآخرين معيار إسلامي أصيل، فقد كان العلماء رحمهم الله يرون من أخيهم شيئا يشكّون في كونه صوابا، لكنهم كانوا يقولون لعل له عذرا لا أعرفه، وهو أدب رفيع ينبغي تربية طلبة العلم الشرعي والعاملين في حقل الدعوة الإسلامية عليه؛ لكي يذيع بينهم حسن الظن بالآخرين؛ لأن الناس كلهم معرضون للخطأ والصواب، لكن يكفي لأن يكون المرء رجلا صالحا أن تكون حسناته أكثر من سيئاته.

قال الإمام ابن سيرين رحمه الله: ( إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا، فإن أصبته وإلا قل: لعله عذرا لا أعرفه )(17).

خامسا: إعطاء المسائل الحجم الذي أعطاه إياها العلماء بلا زيادة ولا نقصان:

وهذا معيار مهم ومؤثر جدا في الأسلوب الذي يجب أن يستعمله الناقد في نقد الآخرين، فإن عدم معرفته سوف يؤدي بالشخص إلى التغليظ على المنتقَد في محل لا ينبغي أن يكون الانتقاد كذلك، أو يرخي العنان في أمر يجب عليه أن يكون شديدا وقويا فيه.

فالأسلوب الذي يجب استخدامه في الرد على من ينكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة، يختلف عن الأسلوب الذي ينبغي اتخاذه عند نقد شخص في مسألة فقهية محتملة.

وعدم الانتباه إلى هذا المعيار جعل أكثر المنتقدين لا يفرقون بين المتفق عليه، وبين المختلف فيه الذي يكون الخلاف فيه قويا، فيشددون النقد على كل مخالف، ولو كان الخلاف في المسألة المتنازع فيها قويا ومقبولا، بل بعضهم يبني الولاء والبراء على مسائل اجتهادية، أو يقيسون كون الشخص متبعا للسنة أو مخالفا لها بناء على تلك المسائل الاجتهادية التي تتجاذبها الأدلة.

فكم رأينا من يبدع من يعُدُّ أذكاره اليومية بالمسبحة، ويجعله كمن ابتدع بدعة التأويل في الأسماء والصفات، أو كبدعة خلق القرآن الشنيعة، وكم رأينا من يتخذ المسبل ثوبه لغير الخيلاء عدوا لدودا للسنة، مع أن هذه المسألة والتي قبلها الخلاف فيهما قوي (18).

إذن، فإن معرفة حجم المسألة التي يريد الشخص نقدها أمر لا بد منه؛ حتى لا ينزل الناقد على المنتقَد وابلا من التشنيع أو التبديع، أو الاتهام بمخالفة الإجماع في أمر قد يكون الخلاف فيه قويا، أو ليس هنالك إجماع في المدعى.

وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا خلاف في إنكار الأقوال المخالفة لسنة أو إجماع قديم، أما المسائل التي ليست فيها سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها دخل، فلا ينكر مَن عمل بها مجتهداً، أو مقلداً (19).

وهذا يبيّن للباحث أن مسائل الخلاف التي لم تخالف نص كتاب صريح أوسنة صحيحة صريحة، أو إجماع قديم، فلا ينبغي التعنيف(20) على المخالف والمتمسك بالقول الآخر(21).

الهومش والإحالات:

(*) باحث سنغالي في قسم الفقه في الجامعة الإسلامية بالمدينة

(1) انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس (5/467)، أساس البلاغة، للزمخشري (2/297).

(2) انظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، للجوهري (2/544).

(3) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (5/103)، مختار الصحاح، للرازي (ص:317).

(4) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير (5/104)، معجم اللغة العربية المعاصرة، لأحمد مختار (3/2264).

(5) انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس (6/117ـ118)،

(6) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، لأحمد مختار (3/2456).

(7) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، لأحمد مختار (3/2457).

(8)  هذا التعريف ملخص من تعريف الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار للتفكير الموضوعي. انظر: فصول في التفكير الموضوعي، لعبد الكريم بكار (ص:45).

(9) هذا مقتبس من حديث رواه البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الشهادات: باب الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث…، حديث رقم:20911 (10/353).

وقد صححه الشيخ الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح. انظر: مشكاة المصابيح بتعليق الشيخ الألباني (1/82).

(10) هذا مقتبس من حديث أبي ذر رضي الله عنه، أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة: باب تحريم الظلم حديث رقم 2577 (4/1994).

(11)  والنقد الجامع بين إظهار الخلل الموجود مع حفظ مكانة المنتقَد من كمال التقوى؛ لأنه جمع بين مراعاة حق الله في الدفاع عن دينه، وبين مراعاة حق المنتقَد في إنصافه.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: ( … والجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيز جدا لا يقوى عليه إلا الكمل من الأنبياء والصديقين…). انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب (1/454).

(12) هذا التقسيم شبيه بتقسيمات المحدثين لأهل الجرح والتعديل، فإنهم قسموهم إلى ثلاثة أقسام: المتشددون، المعتدلون، المتساهلون.

 ووجه الشبه هو: التوسط بين الإفراط والتفريط. انظر تقسيمات المحدثين لأهل الجرح والتعديل: ضوابط الجرح والتعديل، لعبد العزيز العبد اللطيف (ص:71ـ72).

(“13) انظر: فقه الرد على المخالف، للدكتور خالد السبت (ص:174).

(14) أخرجه البخاري، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث رقم: 1 (1/6)، ومسلم في  كتاب الإمارة: باب قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنية… حديث رقم: 1907 (3/1515).

(15) انظر: جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (2/968).

(16) مثل ما كان المستعمر يقوم به من منع إدخال كتب العقيدة المبنية على منهج أهل السنة والجماعة في كثير من مستعمراته في غرب أفريقيا.

(17)  انظر: شعب الإيمان، للبيهقي (559).

(18) والباحث يرى رجحان بدعية المسبحة، وكذلك كراهية الاسبال وإن كان بغير خيلاء، ومع ذلك فلا ينبغي عند نقد القول الآخر التعنيف أو إخراج من تبنى به عن دائرة السنة، كما لا ينبغي أن يعكر ذلك صفوة المودة التي بين المختلفين فيهما.

(19) انظر: بيان الدليل على إبطال التحليل، لابن تيمية (ص: 145).

(20) ومع عدم تعنيف المخالف فإنه لا مانع من نقد قوله بموضوعية والتزام تام بأدب الخلاف من أجل الوصول إلى الحق. انظر: الخلاف أنواعه وضوابطه وكيفية التعامل معه، لحسن العصيمي (ص:100).

(21) انظر: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، للسفاريني (1/224).

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. مقال جميل وتناول عميق ورائع من فضيلة الشيخ محمد المصطفى جالو، الباحث الجاد، فبارك الله فيه وفي قلمه الوسطي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق