محلي

المشروع الدستوري الجديد قراءة في المضمون واستشرف للمآلات

(*) محمد بشير جوب

إذا كان الشعب المرجعية العليا لكل دولة، ومصدرا للسلطات، فالدستور هو أبو القوانين، أو هو الوثيقة التي تمثل العقد الاجتماعي بين الحاكم والشعب، ويحدد ما للحاكم وماعليه، ومقابل ذلك يُبيَّن حقوق الشعب وواجباته، وتتميز قواعده على سائر القوانين بسموها في سقف المشروعية؛ التي تنسج على منوالها كافة القواعد القانونية، ولأهمية الدستور وأثره البالغ في حياة الشعوب وفي شكل وطبيعة الدولة وسائر أنشطتها في كل الأصعدة، دينيا وخلقيا، سياسيا واقتصاديا، اجتماعيا وقيميا، كان محل جدل ونظر، تتسابق إليها كل القوى التي تسعى لفرض نفوذها وسيطرتها على شعب معين، وإن كان الأبرز احتدام المعترك بين تياري الإسلاميين والعلمانيين.

وبين محاسن الدستور ومساوئه وإيجابياته وسلبياته، لم يكن حظ السنغال وفيرا ليتحسن حالها وتقوم من كبوتها، بعد غطرسة استعمار دام لعقود؛ بل وجدت نفسها أمام دستور يكبلها ويرغمها على التبعية لأمة أذاقتها الأمرين، على حساب دينها ومجدها وثقافتها وهويتها، فكانت النتيجة دين بلا سعادة، وثقافة بلاهوية، وثروة بلا نهضة، وعلم بلا بصيرة، ونخبة بلا رؤية.

حرصت النخبة التي ابتليت بها السنغال  منذ الاستقلال، على إقصاء القدر الممكن من المجتمع في أمر صياغة الدستور، وأتقنت النخب التي تداولت اللعبة عملها، فمن حريص صريح إلى أحرص مراوغ، ثم من متهوَّر متردد إلى خائف مُصِرّ.

ونحن على وعد مع هذا الأخير في جولة أخرى من جولات تعديل الدستور، كنا نظن أن لكل صعود نزولاً، وأن مستوى الخنق الذي وصلنا إليها سنجد في هذه المرة فتحة للتنفس، ليس من طيب نفس من بيده الأمر؛ وإنما بسؤال أهل الحق عن حقهم، وليس بمجرد تزيين للعملية أوتحصيل حاصل من خلال الإدلاء بصوت، بل بإثبات الوجود من خلال ضرب الرأي بالرأي، للوصول إلى الحق المسلوب.

تجري الرياح بما لاتشتهي السفن:  

عشية انتخاب الرئيس “مكي سال”؛ مع كل التشاؤم الذي أُكنه للنخبة الحاكمة في السنغال منذ الاستقلال، كنت من المتفائلين، وذلك على غرار جل المواطنين السنغاليين، وزدنا تفاؤلا لما دشن الرئيس “صال” نظامه الجديد بشعار جذاب “gouvernance sobre et vertueux” “الحكم الرصين الفاضل”، ثم جسد ذلك بإرساء وتفعيل مؤسسات دافعة إلى تحقيق ذلك، منها مثلا “OFNAC” “المكتب الوطني لمحاربة الغش والفساد” “CREI” “محكمة مكافحة الكسب غير المشروع”  ولو أنه اكتفى بفرض قرار ” déclaration patrimoine ” “إقرار الذمة المالية”، لكان ذلك داعيا للاستبشاربالخير.

وفي انتظار تتويج خارق لهذه المبادرات، اتجه الأنظار إلى الدستور، منتظرا من الرئيس تنفيذ ما ألزم به نفسه أمام الشعب، طيلة فترة حملته الانتخابية، ولم يزل يقرع  آذان الناس في كل مناسبة مهمة؛ على جديته وصرامته في الأمر، وبما أنه أبلى بلاء حسنا في مكافحة “wakh wakheet”، لم يكن في تصور أحد أنه سينقلب على عقبه، ليقصم ظهر الشعب بوضعه في محك توازنات وتكهانات قلَّ من يخرج منها رابحا.

المشروع الجديد غنم بغرم وسمٌّ في عسل.

في أول الوهلة قد يبدو أن في هذا الطرح نوعا من المبالغة أو التكلف، أو أنه تحامل على النخبة أو تصفية للحسابات، ولكن إنصافا للأمانة العلمية، حاولنا كل المحاولة أن نتجرد عن كل ذلك، لنطرح الموضوع من زاوية مختلفة، تأخذ بعين الاعتبار، روح القانون ووظيفته، بعيدا بعض الشيء عن التفسير الإنشائي؛ الذي تسطح المعاني ولا تغوص في الأعماق.

وبما أن تناول المشروع لإظهار مافيه من إيجابيات وغنم ضرب من التكرار، لكثرة الذين تصدوا له وأطنبوا فيه، وبالفعل أشاطرهم الرأي في جملة تلك الإيجابيات، سأقتصر في عرض ما في العسل من سم، وما في الغنم من غرم في هذا الدستور؛ عملا بالمثل الشائع لايلدغ مؤمن في جحر مرتين.

ففيما يخص التعاطي مع النصوص القانونية، وخاصة تلك التي تتعلق بالدستور، توجد مسلمات يجب استصحابها، والذي يخصنا في موضوعنا هذا، هي تلك التي تذهب إلى أن القانون حلقة متصلة، ويفسر بعضه بعضا، أو ما يسمى بـ “التفسير الشامل للنصوص”؛ وأنه لايوجد لغو (لفظ مهمل) في الصياغة القانونية عند المشرع، وإن بدى ذلك عند القارئ أو المتابع، فالقائمون بصياغة الدساتير متخصصون ودقيقون، ويحسنون اختيار الألفاظ ويضعون الأمور في موضعه، والحشو عنهم بعيد.

وانطلاقا من هذين المسلمين نجد في طيات المشروع، أمورا نصت عليها بصراحة ولا يكاد الباحث الحصيف الانتباه إليها.

تحصين العلمانية بصراحة.

التحصين في القانون هوعدم السماح بالطعن أو المراجعة أو التعديل للشيء المحصن، وهو يطرأ في الأمور الجوهرية في نظر المشرع، ليدل على شيئين هما، أهمية الشيء المحصن واستشعار المشرع بالخوف تجاهه.

فرغم أن علمانية الدولة في السنغال حظيت بالاستقرار منذ فرضها على الشعب، لم تكتسب يوما اجماعا أوتطبيعا من غالبية الشعب، ويضاف إلى ذلك وجود التململ والمقاومة الفكرية المستمرة من الصحوة اليقظة والمغلوبة على أمرها؛ ليكون ذلك حجر عثرة أمام الحكام؛ دون الوصول إلى سلخ الشعب من هويته الإسلامية.

بين الحفاظ على هذا الاستقرار، والسد عن محاولات زعزعتها، جاء نص بندين من هذا المشروع ليقطع الشك باليقين، وليحقَّق حلم الرئيس بتعاون وتآمر مع الجلس الدستوري.

البند السابع والثامن في المادة 103 من المشروع تنص على الآتي:

” – الشكل الجمهوري للدولة، وشكل الانتخابات، ومدة وعدد الولايات المتتالية لرئيس الجمهورية، لايجوز أن يكون موضوعا للمراجعة.

  • البند السابع في المادة الحالية، لايجوز أن يكون موضوعا للمراجعة”.

وفي تعريف شكل الدولة جاء نص المادة الأولى من دستور 2001 وستكون نفس المادة في الدستور الجديد لتُقرأ كالآتي: ” جمهورية السنغال علمانية، ديموقراطية، اجتماعية …………….”

فالمادة الأولي من الدستور الجديد والمادة (103) تقرآن معا وليستا منفصلتين، وتوَّج المشرع ذلك بالمادة (92) البند الرابع؛ الذي حصن قرارات المجلس الدستوري، فنص على الآتي:

” قرارات المحكمة الدستورية لا تقبل الطعن بأي حال، وهي ملزمة للسلطات العامة الإدارية والقضائية”.

ومؤدى ذلك أنه في حال نشوب نزاع بين الأطراف في قضية كهذه؛ فللمجلس الدستوري الفصل في ذلك، وقراره ملزم للجميع فتم هنا إقصاء متعمد للشعب، للفصل في أمر قد يكون من أخطر أمور حياته.

حريات جديدة فما بال الحريات القديمة؟

من البديهيات أن الشعب السنغالي ليس بحاجة إلى مزيد من الحريات بل يشكو من غياب في القيود حيال الحريات الموجودة، ونصت المواد (7) و (8) و(9) من دستور 2001 وستبقى كما هي في الدستور الجديد على موضوع الحريات بإسهاب.

فالمادة (7) البند الثاني تنص على الأتي  ” لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمن والتطور الحر لشخصيته، والسلامة الجسدية بما في ذلك الحماية ضد التشويه البدني”.

والمادة (8) البند الأول تنص على الآتي: ” جمهورية السنغال، تكفل لجميع المواطنين الحريات الأساسية، والحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والحقوق الجماعية.

المادة (9) البند الأول تنص على الآتي ” يعاقب بموجب القانون على أي انتهاك للحريات وأي تدخل متعمد في ممارسة إحدى الحريات”

فالسؤال المشروع هنا هو ما الذي أثار حفيظة المشرع السنغالي، حتى يصر في دمج موضوع الحريات في الدستور الجديد؟ أهو لغو وتكرار؟ أم محاولة لمسايرة الواقع؟ أم السبب هو النقص في التشريع؟

فالناظر الحرفي سوف يرجح المذهب الأول، ومن زاد عليه فهما وإدراكا سيرجح الثاني، بينما من يستصحب ما أشرنا إليه سابقا من المسلمات سيرجح الأخير.

الضجيج الذي ثار في موضوع “اللواط” مؤخرا، أحرج رجال التشريع في السنغال لأن المواد التي وردت في المواد السالفة، تعالج موضوع الحريات العامة، وهي تلك التي تلزم الدولة أو أحد فروعها في مقابل الأفراد، بينما الحريات الشخصية التي التزامات بين اللأفراد، وفي هذا يدخل قضية “اللواط”، كانت ثغرة في الدستور، تمنع من نسج أي تشريع فرعي يجيز هذه الفعلة، أو تسمح بالتساهل فيها.

فلذلك لم يترد رجال التشريع من إدخال مادة جديدة في المشروع، تعالج هذا الإشكال، فالمادة (25 – 3) من المشروع تتناول صراحة موضوع الحريات، لكن بشكل آخر لم يرد قط في دستور سابق، فنص على الآتي: ” كل مواطن ملزم باحترام صارم للدستور والقوانين واللوائح وبأداء واجباته المدنية واحترام حقوق الآخر …….”.

فاحترام حقوق الآخر في هذا السياق أمر بين الأفراد، وعلى الدولة حمايته والإشراف عليه، فلا يجب إنكار حرية الآخر في ممارسة ما يريده.

والأثار التي تترتب على هذا في القوانين الفرعية، وخاصة في موضوع الإجراءات الجنائية؛ الذي يختص بهذا الموضوع، هو حق المحكمة في شطب أي دعوى ملاحقة ضد من تلبَّس بهذه الجريمة، أوإلغاء ما يسمى بالدعوى العومية في قضية “اللواط”، وبقاء الأمر في احتكار النائب العام – محامي الحكومة – يقرر فيه مايشاء.

فالأمر جلي وواضح، لكنه خفي في الوقت ذاته لأن القوم يتقنون لعبتهم، وينسجم هذا مع الدعوات المتكررة من وزير العدل الحالي، وقبله وزير الخارجية، على عدم وجود نص مجرم لفعل اللواط في القانون الجنائي الحالي.

وكلما تم الاعتماد على دستور جديد، فإنه تلقائيا يتم تعديل أغلب القوانين الفرعية كي تنسجم مع الدستور، ومن غير المستبعد أثناء تلك التعديلات، تجنب كل ما من شأنه التضييق على المتلبسين بهذه الجريمة، بل إفساح مساحة لهم في الحياة العامة، وعدم إمكانية التعرض لهم، بدعوى احترام حرية الآخر المنصوص في الدستور، وحينئذ يختفي خط الدفاع القانوني الأول لمن يقف ضد هذه الجريمة.

محمد بشير جوب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق