الشيخ العلامة/ عبد الكريم دَفْ أحد رجال دولة الأئمة في فوتا تور

كانت بلاد “فوت تورُ”، بعد تعاقب عدد من الأسر الحاكمة علي سدة السلطة فيها، قد رزحت لأكثر من ثلاثة قرون تحت نير حكم عاض علي أيدي  أسرة “دينِيَنْكوبي” لدرجة أن الوضع العام لم  يعد يُطاق وخاصة بالنسبة للشريحة التي كانت الحامية للوجود الإسلامي نتيجة السياسة الشرسة التي كانوا يتبنونه تجاه الإسلم وحملة رايته.
هذه هي الظروف التي دفعت مدرسة “بِرْ سانْيا خورْ” إلي الهجرة من بلاد “فوت تورُ” للالتجاء إلي بلاد “كَجورْ” فرارا من بطش حكام الجور وبحثا عن متنفس أو حاضن اجتماعي هادئ أو مهادن يمكنهم من مواصلة أداء رسالتهم المركبة في نشر (العلم – الدعوة) بعد أن ضاقت عليهم “فوت” بما رحبت.
أخذ الشباب الباحثون عن ينابيع المعرفة يتوجهون صوب بلاد “كجور” للالتحاق بتلك القلعة العلمية الفريدة وكانت قيادتها في هذه الفترة إلي العلامة الشيخ/ دمْبَ فال.
ضمن الأفواج التي تلاحقت علي عتبات مدرسة “بـرْ” يعتبر تلامذة الشيخ/ دمب فال من أكثرهم نجاحا إذا نظرنا إلي الموضوع من زاوية الأثر الضافي الذي تركوه لدرجة أن أقاموا للدعوة صرحا جديدا وشادوا للدين كيانا منافحا ومن أبرز هذه الجهود نجاحا قيام “دولة الأئمة” في “فوت تورُ”.
وهنا يبرز دور العلامة/ عبد الكريم دَفْ الذي اشتهر باسم عبد الكريم جاوَنْدُ الذي ينتمي إلي مدينة “سينُ ڤاللْ الواقعة في منطقة “دَمْغَ” شرقي فوت، حيث كان ضمن الفوج الذي عاد إلي ضفاف نهر السنغال وهم يحملون هم الإصلاح بأدق معانيه وبأوسعه شمولا ما جعله يجلس للتدريس ومن ثم سرعان ما تهافت الطلاب عليه يستفيدون ويقتبسون رغم ما كان العلماء يواجهونه من تحديات تصل أحيانا إلي حد استهداف حيواتهم.
ذاع صيته وانتشرت سمعته العلمية علي نطاق واسع كما اشتهر بالسخاء في بذل العلم لطلابه لكنه لم يكن مجرد مدرس ينهي دروسه ليطوي كتبه ثم ينزوي في ركنه ناقما ناقدا دون أن يرمي بسهم واحد علي مذهب الدعاة السلبيون بل كان يعيش هموم المجتمع من حوله ويسعي إلي إصلاح الأوضاع المائلة وتقويم ما ينتشر فيه من اعوجاجات.
وبهذه الحاسة الدعوية كان ضمن ممن سارع للاستجابة للصرخة الإصلاحية التي أطلقها العلامة الشهيد/ سليمان راسن بال من أجل تحرير سكان بلاد “فوت تور” من  حكم “دينـيَنْكوبي” الذي أصبح مجرد كابوس ممتد ومتحالفا مع أعداء خارجيين ممن كانو يقصدون المنطقة  للإغارة وللسلب والنهب أو لاختطاف أبناء المجتمع لاسترقاقهم أو لبيعهم في أسواق النخاسة خارج البلاد دون أن ننسي دور الأوروبيين الذين كانوا قد بدأوا يتسللون إلي المنطقة.
ولما حققت الحركة التي قادها الشيخ الشهيد قدرا معتبرا من النجاح ارتأي أن الوقت قد حان لوضع أسس لدولة تقوم علي منهج الله يتم حكمها بالعدل وينبني علي الشوري نهجا سديدا ويرعي مصالح الخلق حسب مراد الخالق.
وتمثلت هذه الخطوة في اختيار قيادة قوية راشدة تقوم الدولة علي أكتافهم ويقودونها باسم الله وفق شروط بيعة صحيحة، فكان أن رشح لهم أربعة من أفذاذ علماء المنطقة وكلهم من خريجي مدرسة “بر” لتتم مبايعته إماما للدولة القادمة.
وبعد جهد نهضت به لجنة من العلماء الذين كلفوا بهذه المهمة جرت مبايعة الشيخ الشهيد الإمام/ عبد القادر حمّد كَنْ لينظم الدولة ويقودها.
هنا نسجل ثلاث ملاحظات جوهرية:
١) ترشيح الشيخ سليمان بال الشيخَ/ عبد الكريم ضمن هذه المجموعة الخاصة لتولي إدارة الدولة في هذه المنطقة ذات الحيوية المقدرة والتي يقول الدارسون بأن سكانها في تلك الفترة كان يتجاوز (٢) مليون نسمة وعلي ملتقي الأقوام، يؤكد المستوي العلمي الذي كان قد بلغه الرجل فضلا عن الجوانب الأخري الدالة علي قوة شخصيته ووزنه العلمي والدعوي.
٢) يعتبر ترشيح الشيخ/ عبد الكريم الذي ينتمي إلي طبقة “جاوَنْبي” (الوزراء والسفراء) خطوة ذكية لتسديد ضربة قوية إلي العقلية الطبقية التي كانت تتحكم في كل مفاصل المجتمع الفوتي علي غرار ما كان يقع حوله.
٣) نجزم بأن الشيخ/ عبد الكريم كان مؤهلا لحمل هذه الأمانة الضخمة بدليل ترشيحه ومن رشحه لها كما نميل إلي أن التورع قد يكون عاملا مهما في عدم اختياره وهو البعد الذي كاد أن يمنع الإمام الشهيد/ عبد القادر من تولي وظيفة الإمام.
وأخيرا، جاء الشيخ/ عبد الكريم دَفْ ليكون رفيق دربنا في إطار جهودنا لنفض الغبار عن فترة زاهية من تاريخ هذه المنطقة ولتسليط الأضواء الكشافة علي حياة وجهاد سلسلة من الشخصيات العظيمة التي تم وضع ستار كثيف عليها إما بالتجاهل وإما بالتشويش وأحيانا بإحلال شخصيات أقل وزنا وأضأل أثرا محل تلك القمم السامقة.
ودمتم في سابغ كلاءة الرحمن!

الأستاذ محمد سعيد باه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.