أبحاث ومنشوراتأحداثدوليسياسةشخصيات وأعلاممجتمع

الأزمة في مالي _ قراءة في موقف الإمامين الإمام محمود ديكو وعز الدّين بن عبد السلام!

بقلم الكاتب/ عبد الرحمن باه

توطئة.

مالي جمهورية تقع في غرب إفريقيا، وتشترك في الحدود مع النيجر(شرقا) والسنغال (غربا) موريتانيا والجزائر(شمالا) وبوركينافاسو وساحل العاج(جنوبا) وغينيا (جنوب غرب)، وتقدّر مساحتها 1246814 كلم2([1]).

ومالي دولة ذات أغلبية مسلمة وعلى المذهب السنّيّ، تقدّر نسبة مسلميها ب95% من مجموع السّكّان([2]).

وقد عانت من الاحتلال الفرنسي عقودا من الزّمن، واستقّلت عام 1960م، شكّلت مع جارتها السنغال (اتّحاد مالي) ولكنه لم يعمّر طويلا إذ انهار لأسباب سياسيّة. ودولة مالي ليست مستقرّة سياسيا، فعلاوة على حركات التّمّرّد المختلفة في الشّمال، فإنّ الجمهوريّة قد جرّبت حكم العسكر مرّات إثر انقلابات عسكريّة ([3]).

الأزمة في مالي جذور الاندلاع.

إنّ جمهورية مالي _ كما أشير قريبا _ عانت الكثير من الاضطرابات السّياسيّة ؛ فقد شهدت أوّل انقلاب عسكري بعد ثمان سنوات من استقلالها، وبالتّحديد في 19/11/1968م، والّذي قوّض سلطة أوّل رئيسها وأحد عرّابي استقلالها ” موديبو كيتا“. خلفه أو _بعبارة أصحّ _ نزع سلطته أحد جنده ” موسى تراووري” وكان من  المبرّرات الّتي ساقها الأخير وفريقه للانقلاب، مطالبة الرّئيس بالتّخلّي عن “الاشتراكية” و عن “حلفائه” مطلبان رفضهما الرّئيس مدافعا؛ بأنّ “الاشتراكيّة” نظام تبنّاه الشّعب ولا يمكن التّخلّي عنه إلاّ بموافقته، _ ولعلّه كان يقصد استفتاء للشّعب_ لكن يبدو أنّ “تراووري” لم يكن جادّا في بناء جمهورية جديدة كما زعم؛ إذ راحت مواعيده كالسّراب، فلا التّعدّديّة الحزبية تحقّقت في فترة حكمه الممتدّة لأكثر من عشرين سنة، ولا الحريّات الموعودة وجدت، بل وصم ب”دكتاتور”، وفي عهده توفي (مديبو كيتا) في ظروف غامضة، في إحدى القواعد العسكريّة،  وأذيع نبأ وفاته في الإذاعة الوطنيّة  بشكل يوحي إلى عدم تقديره، حيث جاء الإعلان كالتّالي: ” توفي اليوم المعلّم المتقاعد موديبو كيتا…!”([4]) .

لقي موسى تراووري مصير سلفه، فانقلب عليه الجيش _ بقيادة الجنرال آمدو تماني توري _ بعد احتجاجات شعبية، وإضرابات طلاب ونقابات سادت البلاد، جرّاء الوضع المعيشي الصّعب؛ بفعل التّصحّر والجفاف وسوء الإدارة..، وكان الانقلاب في 26/3/1991م، وبعد فترة من هدوء هشّ، تولّى السلطة رئيس منتخب هو “الرّئيس ألفا عمر كوناري:” وقد حكم البلاد  ولايتين متتاليتين([5]).

عاد “آمدو توماني توري” إلى الواجهة السّياسيّة بزيّ مدني، وفاز في انتخابات 2002م ليستمرّ في حكم مالي إلى 2012م عندما تمّ الانقلاب عليه من القائد “سنوغو” الّذي زاد من تأزّم الوضع السّياسي، وهو وضع لم يكن بأحسن من نظيره الأمني في الشّمال، حيث الطّوارق المتمرّدون، ودخل في الخطّ جماعات إسلاميّة انتهجت العنف والإرهاب، وكادت تقوّض مسيرة الدّولة باستهداف عاصمتها، ولكن تدخّل فرنسا وقوات حفظ السّلام قلبت المعادلة، فانحسرت الجماعات المسلّحة، بعد أن سطت على مواقع أثريّة في “تمبكتو” وهدّمت أضرحة ومقامات مقدّسة لدى شريحة من المواطنين، وبعد مدّ وجزر تمّ تنظيم انتخابات رئاسيّة خرج فيها “إبراهيم بوبكر كيتا” بفوز كاسح ضدّ منافسه “سوميلا سيسي“.

 والرّئيس كيتا _ كما يفهم من ظرف تولّيه السّلطة_  يمكن وصفه بوارث الرّجل المريض؛ فالجبهات مشتعلة في أكثر من جهة، والأوضاع حرجة، والدّولة في حاجة إلى حزم وعزم قائد، وقد كانت آمال الماليين كبيرة تجاهه، ولكنّها يبدو أنّها تبخّرت سريعا، إذ ما زالت الحالة كسابقاتها من قلاقل أمنية  وفضائح سياسيّة وإداريّة.

تلك هي الصّورة التّقريبيّة لبوادر الأزمة الحالية في مالي، والّتي كانت تطلّ تغلي بقوّة أحيانا، وحينا تميل للهدوء، ولكن بدأ يظهر من بين أشخاصها المؤثّرين اسم إمام، أرغمت مواقفه على لفت أنظار المؤيّدين والمناوئين إليه.

الإمام محمود ديكو وبروز نجم الإصلاح

ولد محمود ديكو 1954م، من أسرة مسلمة، معروفة بالعلم والدّين، وحفظ القرآن على جدّه، ثمّ رحل إلى موريتانيا المجاورة لبلده، قبل أن تستقرّ به الرّحلة العلميّة في المدينة المنوّرة، حيث درس برهة من الزّمن ، ثمّ عاد إلى بلده داعية ومصلحا؛ فقد عمل في العمل الإسلامي الحركي، وشغل منصب أمين عام لأوّل جمعية إسلاميّة في “مالي” 1980م، وكان من ضمن ما تهدف إليه: تعزيز وحدة المسلمين، والقيام بالوساطة والتّهدئة  أثناء الأزمات السّياسيّة والاجتماعيّة، كما تقلّد إمامة أحد مساجد العاصمة، وتولّى رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى في مالي2008م ([6]) .

 وفي عام 2009م ثارت ضجّة في مالي حول ما عرف إعلاميا ب “قانون الأسرة” والّذي ينصّ على أمور منها:

  • اعتبار الزّواج مؤسسّة علمانيّة.
  • لا تجب على الزّوجة طاعة زوجها.
  • حصول النّساء على حقوق أكبر في الميراث، وتحديد السّنّ الأدنى للزواج ب18عاما.

وكان من المفروض أن يصادق البرلمان على مسودّة القانون، فهبّ ماليون، وعلى رأسهم الإمام محمود ديكو رئيس المجلس الإسلامي _ آنذاك _ هبّوا مقاومين مشروع القانون، وأرغموا الرّئيس على التّعديل فيه ([7])  .

وهنا وقفة تأمّل، فالإمام ديكو، يفترض أن يكون موقفه موافقا للحكومة الّتي أعطته الصّبغة الرّسمية، برئاسة المجلس الإسلاميّ الأعلى المعترف لديها، والمعهود في كثير من أرجاء العالم الإسلام، اتّحاد مواقف الجهات الرّسمية الدينيّة مع السّلطة الحاكمة، لكنّ الإمام خرق ذلك المعهود وانحاز إلى ما تمليه عليه مسئوليتّه الدّينيّة، ولو على حساب مصالحه الدّنيويّة المفترضة، وهذا درس في ترتيب الأولويات ، وإعمال مقاصد الشّريعة بليغ!

كما أنّ الإمام ديكو، المعروف بتأييده للمرشّح إبراهيم بوبكر كيتا في انتخابات 2013م، والّتي وصل فيها الأخير للسّلطة، توتّرت بينهما العلاقة بعد فترة من الزّمن، وأعقبها عدّة أحداث منها:

_  ترك الإمام ديكو رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى في مالي أبريل2019م

_ مشاركة الإمام في مظاهرة الإدانة بمذبحة “أوجاسوجو” الّتي راح ضحيّتها 160 مدنيا من قبيلة الفلاته، في 18/4/2019م، والّتي أرغمت هرم السّلطة في مالي على إقالة رئيس حكومته سومايلا مايغا

تطوّرت الأحداث إلى ولادة حراك جمع بين الإمام  وأحزاب سياسيّة ومؤسّسات مدنيّة، شاركت في تظاهرة وصفت بمليونيّة في 5/6/2020م،اعتذر فيها الإمام من الشّعب المالي عن خطئه في دعم الرّئيس(كيتا) وطالب والحراك باستقالة الرّئيس، متّهمين إيّاه بالتّرسيخ للفوضى، والعجز عن إدارة الدّولة. ويبدو أنّ الحكومة دعت _مرغمة _ إلى  الحوار مع مسؤولي الحراك. وقبلت بوساطات خارجية([8]).

لماذا العزّ ابن عبد السلام؟

عرف التّاريخ الإسلاميّ مواقف مشرّفة من علماء المسلمين، وسجّل مواجهات _ أحيانا_ بين بعضهم مع الحكّام، نتيجة اختلاف وجهات النّظر، وربما سطا عصا الحاكم على ظهر العلن، إعمالا ل ” منطق القوّة”، ومن الحوادث الشّهيرة الّتي يمكن ذكرها في هذا الصّدد، محنة الإمام أحمد _ رحمه الله تعالى_ مع خلفاء من بني العبّاس، إلّا أنّه استوقفتني مواقف عالم برز في  القرن السّابع الهجري، ورأيت إجراء مقارنة بينه وبين الإمام محمود ديكو المالي، وذلك لما يبدو لي من كبير شبه بين موقف الإمامين، في تعاملهما مع الحكّام، ومع القضايا الجارية في محيطهما.

فمن الإمام العزّ ابن عبد السّلام؟

“ابن عبد السلام : عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب، الشيخ عز الدين أبو محمد السلمي الدمشقي الشافعي، شيخ المذهب ومفيد أهله، وصاحب مصنفات حسان; منها التفسير، واختصار النهاية، والقواعد الكبرى، والصغرى، وكتاب الصلاة، والفتاوى الموصلية، وغير ذلك.

ولد سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع كثيرا، واشتغل على فخر الدين بن عساكر وغيره، وبرع في المذهب، وعلوم كثيرة، وأفاد الطلبة، ودرس بعدة مدارس بدمشق، وولي خطابتها، ثم انتقل عنها إلى الديار المصرية، فدرس بها، وخطب وحكم، وانتهت إليه رئاسة المذهب، وقصد بالفتاوى من الآفاق، وكان لطيفا ظريفا يستشهد بالأشعار، وقد كان خروجه من الشام بسبب ما كان أنكره على الصالح إسماعيل من تسليمه صفد والشقيف إلى الفرنج، ووافقه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي، فأخرجهما من بلده، فسار أبو عمرو إلى الناصر داود صاحب الكرك فأكرمه، وسار ابن عبد السلام إلى الملك الصالح أيوب بن الكامل صاحب مصر، فأكرمه واحترمه وولاه قضاء مصر وخطابة الجامع العتيق، ثم انتزعهما منه، وأقره على تدريس الصالحية، فلما حضره الموت أوصى بها للقاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، وتوفي في عاشر جمادى الأولى، وقد نيف على الثمانين، ودفن من الغد بسفح المقطم، وحضر جنازته السلطان الظاهر وخلق كثير، رحمه الله تعالى”([9]) .

بين العزّ وديكو

هناك مقولة بأن “التّاريخ يعيد نفسه”، وباستقراء أحداث التّاريخ ، يكون التّشابه أحيانا كبيرا، حتّى وكأنّ الأحداث ليست هي الّتي تكرّرت وحسب، بل وتتكرّر معها المواقع الجغرافية والأشخاص الغابرة، وفي سياق المقارنة بين أحداث مالي من السّنة1960م وحتّى يوم النّاس هذا،  يبرز شبح التّشابه بقوّة؛ ففتن الدّاخل السّياسية والأمنيّة، وتحدّيات الخارج الخطيرة الّتي سادت يوما في القاهرة  أو في  دمشق، إبّان حكم المماليك ، تضارع نظيرتها في بامكو وفي تمبكتو ، ويراقب النّاظر تحرّكات الإمام محمود ديكو، وكأنّه يعاين سلطان العلماء العزّ بن عبد السّلام، وهو مجدّ في مقاومة الباطل والصّدع بالحقّ!

ولعلّي أكتفي بثلاث صور في المقارنة:

الصّدع بالحقّ أمام السّلطان

إنّ قول الحقّ ليس بالأمر الهيّن، ويعجز كثيرون عن مواجهة غيرهم بالحقّ إذا كان لا يروق له، لاعتبارات متعدّدة، لكن الأصعب أن يكون الحقّ في مواجهة سلطان، فدون الصّدع به خرط القتاد!

ولذا يعظم في عين النّاس من يرونه يقول الحقّ أمام السّلطان، وقد عجّ ذلك في مناقب العزّ حيث

 وصف بأنّه كان: ” يصدع بالحق، ويعمل به متشدداً في الدين لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يخاف سطوة ملك ولا سلطان، بل يعمل بما أمر الله ورسوله، وما يقتضيه الشرع المطهر، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كأنه رضي الله تعالى عنه جبل إيمان. يصادم السلطان، كائنًا ما كان، بمشافهة الإنكار، تحت عظام الأخطار..” ([10]) .

أمّا محمود ديكو، فيصدع بالحقّ الّذي يراه، ويعارض موقف الرّئيس جهارا نهارا ضدّ “قانون الأسرة” المخالف للشّريعة، إبّان رئاسته المجلس الإسلامي الأعلى في مالي. ولمّا ترك المجلس الأعلى لم يترك مبدأه في إنكار منكرات النّظام الحاكم فقاد مظاهرات، وقال بملء فيه “لا للاستبداد، والجور، ونشر الرذيلة…” مخاطرا بحياته، حتّى خسر بعض أنصاره الّذين تضرّجوا في دمائهم دفاعا عن إمامهم([11]) .

النّهي عن الفحشاء

إنّ من أكبر المسئوليات على  المسلمين عامة، وعلى العلماء والأئمّة خاصّة حماية المجتمع من الرّزيلة،

لما لها من آثار سلبية  تعوق المجتمع عن التقدّم، وتهوي به إلى الهاوية، وتتمّ تلك الحماية بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومواقف العزّ بن عبد السّلام في ذلك مشهورة، ومن ذلك ما حكاه الباجي _ رحمه الله تعالى _ عن موقف حدث بين العزّ بن عبد السلام وسلطان مصر:

“طلع شيخنا عز الدين مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة فشاهد العساكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة وما السلطان فيه يوم العيد من الأبهة وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يدي السلطان فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه يا أيوب ما حجتك عند الله إذا قال لك ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؟ فقال هل جرى هذا ؟فقال: نعم الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة يناديه كذلك بأعلى صوته والعساكر واقفون فقال يا سيدي هذا أنا ما عملته هذا من زمان أبي فقال أنت من الذين يقولون {إنا وجدنا آباءنا على أمة} فرسم السلطان بإبطال تلك الحانة… الباجي يقول سألت الشيخ لما جاء من عند السلطان وقد شاع هذا الخبر يا سيدي كيف الحال فقال يا بني رأيته في تلك العظمة فأردت أن أهينه لئلا تكبر نفسه فتؤذيه فقلت يا سيدي أما خفته فقال والله يا بني استحضرت هيبة الله تعالى فصار السلطان قدامي كالقط([12]) .

يتجلّى من النّص السّابق تنديد الإمام عزّ الدّين بن عبد السلام، بشيوع  الفحشاء في البلد، من انتشار الخمارات، وما تستلزمه من ارتكاب الفواحش السّلوكيّة كالزّنا ونحوه.

وفي موقف مماثل: يقف الإمام محمود ديكو في وجه الحكومة في سعيها لوضع مقرّر عن التّربية الجنسية، رأى فيه الإمام طريقا إلى سلوك الانحراف الجنسي، وفتح باب للمثلية الجنسية، فعارضه صادعا بالحقّ الّذي يؤمن به وحال دون تنفيذه  متوكّلا على ربّه ومستثمرا لقاعدته الشّعبيّة ([13]) .

قوّة الكلمة

من نقاط القوّة للدّعاة إلى الله _ تعالى _ قدرتهم على التّأثير على المخاطبين، وقد حاز من ذلك الإمام العزّ بن عبد السّلام نصيبا، فقد مرّ في ترجمته  بأنّه ” كان لطيفا ظريفا يستشهد بالأشعار” ولتلك الجملة دلالتها، على الخطاب الرّاقي، المؤثّر في المتلقّي.

ولئن كان ذلك متعلّقا بجانب الأسلوب وصياغة الكلام، فإنّ ما لا يقلّ عن ذلك بل قد يفوقه أهمّية، الموضوعات المطروقة، فكلّما كان الخطاب لامسا لجروح  المتلّقين، وملبّيا لاحتياجاتهم في حياتهم كان ذلك أدعى إلى قبوله، ولعلّ ذلك ممّا أعطى لخطاب الإمام عزّ بن عبد السلام ثقلا في مجتمعه، فقد تناول ما كان مجتمعه بأمسّ الحاجة إليه، من جور وظلم، ومن فساد وانحلال، فكساه الحديث عن ذلك ما يشبه تقديسا من العامّة له، فانجذبوا إليه لا شعوريّا، وأيّدوه في سلوكهم الظّاهري، متأثّرين بعدوى تحدّيه للسّلطان ذاته!

وذلك أيضا ممّا يضاف إلى مواهب الإمام محمود ديكو، وهل أدلّ على ذلك من قدرته على التّحدّث بطلاقة إلى جمهوره باللغات الّتي يفهمها، فهو مع الماليين العامّة يمكنه الخطاب ب(البمبارا  والبلار) وأمّا مع المثقّفين فهو المتحدّث المجيد  باللغة العربيّة والفرنسيّة، لغات يدبّج فيها آلام شعبه وهمومه، فيعلّق عليه شعبه آماله ، فيكون في متناوله وبكلّ سهولة  حشد الجماهير مصغية إلى خطابه، ومؤتمرة بأمره، فالقول قوله في الجمع والتّفريق، وكلمة منه  إلى جمهوره أن: ” انصرفوا راشدين”، كفيلة بقفولهم إلى منازلهم، من دون كسر زجاج أو إيقاد إطار!

قراءة في موقف الإمامين العزّ وديكو!

إنّني _ وكما يتّضح للقارئ الكريم_ أرى أنّ الإمامين المذكورين قد تشابه موقفهما في أكثر من محور، وما يهمّني _ هنا _ هو موقفهما في الصّدع بما يريانه حقّا، ولو في مخالفة السّلطان، وهذا الموقف قد لا يشاطرهما إيّاه كثير من العلماء، ولا أستبعد أنّ قرار سجن العزّ بن عبد السّلام أكثر من مرّة، لم يكن ليتمّ لولا أنّ الحاكم قد وجد علماء آخرين أيّدوه في ذلك، وربّما بان له بعد سماع ما لديهم، بأنّ سجنه طاعة لله  _تعالى _ ووأد للفتنة قبل أن تستفحل، وتعرّض دين النّاس للخطر، وعمران البلاد للخراب!

أقول ذلك وأنا أقرأ كلمات من محسوبين على العلم في جمهورية مالي وخارجها، وهم يكيلون للإمام ديكو التّهم، ويؤلّبون عليه الحاكم والعامّة؛ فهو عند بعضهم وهّابي متستّر يرسّخ لكراهية أولياء الله، وعند بعض إسلامي سياسي، يريد استخفاف الأحلام وامتطاء جواد الإسلام للوصول إلى السّلطة ، وعند آخرين هو رجل فتنة،  مخالف لأهل السّنّة بالخروج على وليّ الأمر… تعدّدت الخطابات والنّتيجة واحدة: يجب إسكات صوته، وإيقافه عند حدّه!

ولعلّ قراءة موقف الإمامين قراءة جادّة، تحتّم الإلمام الواسع بالنّص والفقه، وبالتّاريخ والواقع مع الوضع في عين الاعتبار سياق الأحداث، وتنبؤ مآلاتها، وإذ أفتقد ذلك _ في هذا الظّرف_ فحسبي الإثارة والإشارة، والخروج _ربّما_ بقراءة سطحيّة تمهّد لأعمق منها، ولا أريد أيضا خوض جدل “نصوص الخروج على وليّ الأمر” وإنّما أكتفي بحديث عن جانب المسئولية الاجتماعيّة الّتي ينتظر من عالم الدّين ممارستها، مع السّلطات الحاكمة، والّتي من الظّاهر أنّها _ كما هو واضح_ كثيرا ما تلهو عن واجباتها تجاه الأمّة الّتي أناطت على عاتقها واجب تولّي أمورها، وبدلا من تصرّفها كمفوّض للسّهر على المصالح العامّة، تنتهج الإدارة السيّئة، والمحسوبيّة، والغشّ والتّزوير، وخدمة القوى الإمبريالية وجماعات الضّغط الخارجيّة، والتّخلّي عن بناء الدّولة بما تحويه الكلمة من معنى… فما المنتظر _ والحال ما ذكر_ من عالم الدين ولا سيّما عندما يمتلك ظهيرا شعبيّا، وجمهورا يمكن التعاون معه في إحداث بعض الأثر الإيجابي، كما في حال الإمام محمود ديكو وقبله العزّ ابن عبد السّلام ؟ لعلّ الجواب على ذلك السؤال هو الّذي يفسّر مواقف الإمامين، فكأنّ كلّ واحد منهما يقول: إنّني لا يمكن أن أكون في معزل عن الأحداث، ولي قدرة في توجيهها، بل مهمّتي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر قدر المستطاع، والوسائل الّتي أستخدمها اجتهاديّة بالدّرجة الأولى، ما دام إطارها متناغما مع المبدأ الإسلاميّ العام “من رأى منكم منكرا فليغيّره”، فسوف أعلن النّكير على وليّ الأمر إذا أعلن منكره، وسوف أقود مظاهرات لشلّ حركاته السيّئة، وسوف أسعى إلى استبداله بغيره إذا غلب على ظنّي إمكانية ذلك وأفضلية الغير!

وسوف أوجّه هذه الجماهير العريضة نحو حراسة الفضيلة، والسّعي لتقويض الجريمة بغض النّظر عن المجرم، فسيّان عندي أن يكون فردا مغمورا، أو مسئولا ورئيسا مشهورا.

ولئن كان التّاريخ قد أنصف العزّ بن عبد السّلام _رحمه الله تعالى _ وغضّ عن مواقفه الّتي أزعجت السّلطان وبلاطه وعلماءه، حتّى تفوّه الحاكم الّذي شيّعه إلى قبره بكلمته: “ما استقر ملكي إلاّ الآن” ([14]).

لئن كان (التّاريخ) قد أنصف العزّ حتّى قلده وسام سلطان العلماء، فلا أقلّ من أن يحاول (الواقع) مداراة الإمام ديكو، ويشيد بما تحقّق على يديه من الحيلولة دون وقوع بعض المخالفات من قانون الأسرة إلى تقليص الرّئيس من صلاحياته وأسرته في التّصرّف بمقدّرات الدّولة الّتي هي أمانة في عنقهم، لا هبة إلى جيوبهم!

وماذا بعد؟

ما زالت الأحداث في مالي في احتدامها، ولم تبلغ ذروتها بعد، وقد تطول الأزمة أو تقصر، وخاصّة بعد سقوط ضحايا نتيجة استخدام السّلطة المالية للقوّة، لكنّ من الواضح حاليا، أنّ الإمام محمود ديكو قد وضع لبنة في المسار التّجديديّ للعالم، في حضوره وإنكاره للمنكر مع مراعاة ظروف الإمكان، فلم يتجاوز قدره ويطالب ب”حكم إسلامي” مثلا في البلاد، فذلك ليس واقعيّا في الظّرف الحالي. ويخطئ أو يتعاطى الخطيئة  عن قصد، أولئك الّذين يصفون الإمام ب “الإسلاميّ” في مفهومه الّذي يعني من يدعو إلى تحكيم شريعة الإسلام؛ فالإمام ديكو، رغم كونه مسلما وإماما إلّا أنّه لم يخض حرب مقاومة السّلطان بهذا الوصف، وإنّما بوصفه مواطنا يواجه الفساد بطاقته الممكنة، وبوسائله المتاحة.

فحربه حرب على سلوكيات  وانحرافات، أكثر منها حرب أفكار و إيديولوجيات، ولقد سمعته من مقابلة صحفيّة، يؤكّد بأنّه يجابه لترسيخ العدالة في مالي بغض ّ النّظر عن الدّين أو القوميّة أو القبيلة، وإنّما لمبدأ العدالة الّتي يشترك فيها المواطنون كلّهم، وردّا على سؤال من صحفيّة لقناة Tv5: عن الدّولة المثاليّة الّتي يريدها في مالي؟ أجاب الإمام بقوله: الدّولة الّتي يتمتّع فيها جميع الماليين بحقوقهم، في ظلّ ديمقراطيّة علمانيّة عادلة![15]

ومن المعلوم أنّ المواقف الّتي رصدناها للإمامين ابن عبد السّلام ومحمود ديكو، لا ترضي صنفين من النّاس، أحدهما(علماني) يدعو إلى فصل الدّين عن الحياة العامّة، فيريد من الأئمّة والعلماء، أن يبقوا حبيسي المساجد والزّوايا، ويخلوا الجوّ للسّاسة فيعملون ما يشاؤون من الإجرام، ثمّ يعودون إلى العلماء والأئمة المعتزلة  بفتات من مال الدّولة المسروق فيعطوهم منه، على أن يضمنوا ولاءهم ودعاءهم!

أمّا الصّنف الآخر فهو (عالم سلطاني) نذر نفسه محاميا للحكّام المتسلّطين على رقاب النّاس ومصالحهم، ومرتّلا على المقهورين من عامّة الشّعب سورة الصّبر على مرّ القضاء وجور السّلطان، ولا تعوزه أحاديث وآثار عن السّلف تحرّم الخروج على الولاة، فينزّلها على كلّ معارض للسلطان بحقّ أو باطل، من غير مراعاة فرق في ظرف زمان أو مكان، ومن لطيف القدر أن يتوحّد في هذا الصّنف أناس كان الصّراع المذهبي يعصف بهم حتّى يكاد يكفّر بعضهم بعضا، لكنّهم  في دين الملوك على التّوحيد!

هذا ومن العلل الكامنة في كثير من مواقفنا في البيئة الإفريقيّة، أنّها لحظيّة، قد تنجح في قلب المعادلة الآن، لكنّها لا يكتب لها البقاء والاستمرار، إذ لا تبنى على أسس علميّة من التخطيط السليم، والنظر المستقبلي البعيد،  فتسكّن الآلام ولا تشفي الأمراض، وتشذب الأغصان، وتترك الجذوع والجذور لحالها، وكم قاسينا من ذلك فبدّلنا رئيسا بأسوأ منه، وكنّا كمستجير من الرّمضاء بالسّعير.. وعلى الإمام ديكو وأعوانه ألاّ يقعوا في ذلكم الفخّ، وليكن حراكهم  منطلقا لمؤسّسة مدنيّة تضمّ أحرارا ينطلقون من المبدأ النبيل ويتوخّون للمصلحة العامّة سواء السّبيل، ويراقبون السّلطان ويحاسبونه، فيضع لهم ألف حساب وحساب قبل أن تسوّل له نفسه تنفيذ أجندة أو أخرى!

وأمر آخر يجب أن يضعه الإمام نصب عينه: اختراق عناصر مغرضة لصفوف العاملين على التّغيير المنشود، فهي جراثيم فتّاكة، يجب الحذر والعمل على عدم ولادتها في الجسم، كما يجب السّعي لاجتثاثها بعد الولادة!

هذا وعلى الأئمّة والدّعاة استلهام الماضي والحاضر للاستفادة من المهارات المختلفة، والكفاءات المتنوّعة، لرسم الطّريق الأمثل في تقديم رسالتهم مواكبة للزّمان والمكان، متّسمة بالعموم والشّمول،

ولعلّ في مسيرة الإمامين الّذين كان عنهما الحديث من ذلك ما سوف يروي غليل الظّامئين، ويفيد الحاضرين واللّاحقين، فإن وفّقت في عرض بعضه فحبّذا، وإلّا فليغض ناظر عن قذى.

والله _تعالى _ المسئول في الحالين، الستر والغفران، والتّوفيق والقبول.

[1])) PopilationData.net

[2])) htps//fr.mwikipedia.org

[3])) السّابق.

[4])) ينظر:www.jeuneafriqeu. com تاريخ19/11/2018م.

[5])) https://perspective.usherbrooke.ca تاريخ الزيارة: 5/7/2020م23:05.

[6])) www.aljazira.net في مقال عن : محمود ديكو، تاريخ 16/12/2014م.

([7]) www.bbc.com تحت عنوان: مالي الإسلاميون يصفون قانون الأسرة بأنّه من “عمل الشّيطان”، تاريخ النشر 27/8/2009م.

[8]))  ينظر: محمد الجزار: الحراك الثوري في مالي “دراسة تحليليّة لحراك 5 يونيو2020” قراءات إفريقية. ت:18/6/2020م.

[9]))  ابن كثير، إسماعيل بن عمر: البداية والنهاية (ت: 774هـ) ت: عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان ط 1، 1418 هـ – 1997 م سنة النشر: 1424هـ / 2003م، 17/442.

[10]))  اليافعي عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان (ت: 768هـ)مرآة الجنان وعبرة اليقظان، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان ط 1، 1417 هـ – 1997 م ،4/ 118 .

[11])) وقعت مجزرة  في محيط بيت الإمام السبت 11/7/2020م ولقي فيها عدد حتفهم!

[12])) السبكي عبد الوهاب بن تقي الدين (ت: 771هـ) طبقات الشافعية الكبرى ت : محمود محمد الطناحي وآخر، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1413هـ، 8/212.

[13])) www. France24.com: manifestation au Mali: qui est Mahmoud diko

[14])) عبد الرحمن بن أبي بكر (المتوفى : 911هـ) حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة السيوطي ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية – مصر- ط1، 1387 هـ – 1967م،2/95.

[15])) المقابلة موجودة في اليوتيوب  تحت عنوان:Entretien avec Mahmoud Dicko

wassatiyyoun senegal

منصة السنغاليين من أجل مستقبل أفضل

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق