أبحاث ومنشورات

استقلالية القضاء في التنظيم القضائي السنغالي…. نظرة من الداخل… الجزء الثالث والأخير

(*) محمد بشير جوب

القضاء السنغالي ضحيّةُ طمعِ السياسيين:

علاقة السياسيين في السُّلطة التنفيذية بالقضاء علاقةٌ مثيرةٌ للجدل دائماً، ففي الوقت الذي يسعى فيه الأخير جاهداً لتحقيق معاني العدالة، يكون همُّ الأول هو السعي لاستغلاله وجعله آلةً في خدمة أغراضه، فهما قوَّتان في اتِّجاهِ مضادٍّ، قانون القوّة وقوّة القانون، وغالباً مايخضع رجال القضاة مع قوّة قانونهم لضغوطات السياسين طوعاً أو كرهاً، ويؤدِّي ذلك دائماً إلى نتائجَ وخيمةٍ يدفع ثمنها الشعب المغلوب على أمره.

فالقضايا التي تتكرّرُ يوماً بعد يومٍ وهي أشبه ماتكون بأفلامٍ سيِّئَةَ الإخراج من بعض السياسيين، جعلت كثيراً من الموطنين يفقدون الثقة في قضائهم الوطني، بل جعلت البعض يقتنع بأنه يعيش في ظلّ نظامٍ تتحكَّمُ فيه ماهو شبيهٌ بنظام شريعة الغاب مصبوغةً بصبغةٍ مؤسَّساتيةٍ، ظاهره جميلٌ حسن السبك، وباطنه سرابٌ ومضيعةٌ للحقوق، ولم يكد أحد ممن تعاقب على كرسيِّ الحكم يَسْلم من توظيف القضاء لأغراضه، إلا أن القضايا الأخيرة كانت على مستوى من الوقاحة والفضاحة؛ لدرجة أنه لايحتاج الكشف عن خيوطها إلا إلى قليلٍ من الملاحظة الدقيقة، ووقفةٌ مع ثلاث قضايا تجعل الصورة أكثر شفّافاً للمتبصِّر.

قضية الولايتين: في بداية عاميْ 2012 و 2016 صدر حكمان يعدُّ من بين أشهر السوابق القضائية التي شهدتها السنغال في تاريخها، ومازاد الأمر خطورةً هو أن هذين الحكمين تم إنتاجهما في أعلى هرم السلطة القضائية وهو (المجلس الدستوري)، وتمَّ فيهما اللعب بعقول الناس، وتحريف القانون تحريفاً استبعد كل قواعد الإنصاف، بغرض إرضاء من هو في في أعلى هرم السُّلطة التنفيذية، على حساب مقرَّرات العدالة والقانون، وليومنا هذا وإن حازت السابقتين حجية الأمر المقضي فيه، مازلنا نجد صعوبةً في تجرُّع مرارة الأثر الذي خلفته هذه القضية، وهو فقدان الثقة في القضاء الوطني بعدما تمَّ تدمير مبدأ استقلالية القضاء من قبل انتهازيين سياسيين، لايراعون في مواطنيهم إلاًّ ولا ذمّة.

قضية كريم واد: ماشهدته السنغال من هدر للمال العام في أوخر حكم الرئيس عبد الله واد جعل موضوع االمحاسبة حديث الساعة في تلك الحقبة، وجعل أيضا موضوع محاربة الفساد يأتي في طليعة برامج المعارضين في انتخابات 2012 الرئاسية، وبعد وصول الرئيس الحالي إلى السُّلطة لم يتوانئ في استخدام محكمة استثنائية (Cour de répression de l’enrichissement illicite)   لمواجهة مسؤولين كبار في النظام السابق، أشهرهم كريم واد ابن الرئيس السابق عبد الله واد، من مارس 2013 بداية القضية إلى مارس 2015 صدورُ الحكم النهائي، سيطرت قضية المحاكمة الرأي العام الوطني، ناهيك عن التكاليف الباهظة التي أُنفقت فيها من أجل توفير المحامين والخبراء الاقتصاديين، صدر في ليلة 23 يونيو 2016 مرسوماً تحت رقم (2016-880) يحمل توقيع رئيس الجمهورية، ليعلن أن ماحصل خلال سنتين مع كل الجهود التي بُذلت فيها، كان مجرد مسرحيَةٍ اُسْتخدِم فيها القضاة ليلعبوا أدوار الممثّلين الرئيسيين لصالح من في الحكم، وأصبح المدان بالسجن 6 سنوات وبغرامةٍ ماليةٍ قدره 138 مليار  cfaحرّاً طليقاً بعفوٍ رئاسيٍّ.

قضية “جاس” الابن: شهد شهر ديسمبر 2011 زوبعةً نَجمت عن عزم الرئيس عبد الله واد الترشُّح لولاية ثالثة، حدثت عقبها مواجهاتٌ جمعت بين المعسكرين الاشتراكي والليبرالي، أدت إلى إطلاق نارٍ من طرف قائد الشباب في الحزب الاشتراكي “بارتليمي جاس” أودت بحياة الشاب “انجاغا جوف” وجِّهتْ إلي” جاس الابن” تهمة القتل العمد مع العنف والحيازة غير المشروعة للسلاح، دخل على إثرها بعدّةِ شهورٍ السجن في انتظار الحكم النهائي، وصل تحالف المعارضة في الحكم ليكون ذلك إذناً لخروجه تحت الرقابة القضائية، وذلك بحكم أنه كان أحد أذرع التحالف الحاكم، بقي الملف هكذا مطوياًّ إلى أكتوبر 2016،  فعندما بدأت تظهر عند”جاس” بوادر تشير إلى تغيير رأيه السياسي تجاه التحالف بدأ الرجل الأول في السلطة التنفيذية يضيق به ذرعاً، ووجد السبيل في السلطة القضائية سالكاً للدخول معه في تصفية حساباتٍ أرجعت القضية إلى مربّعها الأول، فلم يكن الملفُّ يشغل بال الحكام طيلة أربع سنوات مضت؟ الأمر الذي يقطع الشك باليقين على تَركُّز القضاء بيد السلطة التنفيذية.

القاسم المشترك بين هذه القضايا الثلاث –والحبل على الجرار- هو أنه وإن اختلفت السبل المستخدمة، والحيل المُحاكة فالنتيجة واحدة، وهي عطلٌ في السلك القضائي، يرجع سببه إلى السلطة التنفيذية، وإذا تقرر لدينا في القضية الأولى أن رئيس الجمهورية هو من يعين قضاة المجلس الدستوري، وثبت لنا في القضية الثانية أن المجلس الأعلى للقضاء هو المخوّلُ للنظر في مستحقِّي العفو وأن رئيس المجلس هو رئيس الجمهورية ذاته، وفهمنا أن النائب العام المختصُّ في تحريك الدعاوى الجنائية، تابعٌ لوزير العدل، يسهل لنا أن نستوعب أن مبدأ استقلالية القضاء في جمهوريتنا في محكٍّ خطير، تنتظر حلولاً جذريّةً وعاجلةً، وهذه الحلول لم تعد في طاولة النقاش، بل هي جاهزة في انتظار من يملك جرأةً في تنفيذها من الذين يريدون خيراً لمواطنيهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق