أبحاث ومنشورات

استقلالية القضاء في التنظيم القضائي السنغالي ….نظرة من الداخل (الجزء الثاني)

(*) محمد بشير جوب

 (الجزء الثاني)

استقلال القضاء في التنظيم القضائي السنغالي:

عشيّةَ استقلالها من فرنسا سنة 1960م، وجدت النُّخبة التي تسلَّمت زمام الحكم من المستعمرِ نفسَها أمام امتحان بعنوان بناءُ دولةٍ حديثةٍ، تكون قادرةً على التكيّف مع المستجدَّات الماثلة أمامها، وبحثاً عن المخرج من هذا التحدِّي ارتأتْ النُّخب آنذاك نقل النموذج الفرنسي لصياغة دولتهم الوليدة، فلم تكن إذا  بِنْيةُ هذه الدولة نتيجة تطوُّرٍ طبيعيٍّ مبنيٍّ على قناعات الأغلبية المغلوب على أمرها، ورغم أن هذا النقل لم يفرق بين الغثِّ والسّمين من النظام الفرنسي الذي كان قيامه نتيجة تجربةً دامت قروناً، إلا أنّه يمكن الإشارة إلى نجاحٍ نسبيٍّ شاهدناه في شكل الدولة الوليدة، فلقد تجلَّى واضحاّ في أوّل دستورٍ تمَّ صياغته للسنغال فصلاً واضحاً للسلطات، مطابقاً من حيث الشكل لما قرّره التطبيق الإسلامي، وموافقاً للأفكار التي كان يدعو إليها”مونتسكو”، كما كان الدستور والقوانين والآليات التي صيغت على منوال الدستور في انسجام تامٍ مع التجربة الفرنسية مهد الأفكار التنويرية في القرن 18 من ميلاد المسيح.

 ويجدر بنا الإشارة على أن الاستقلالية في القضاء ليست نتيجة حتميةً تأتي بصورةٍ عفويةٍ بمجرد الفصل بين السلطات، أو بمجرد الاستقلال الموضوعي للقضاء، بل تحقُّقُها مرهونٌ على وجود ضماناتٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ وإداريةٍ يكون هدفها الأساس تحقيق هذا المطلب؛ ليكون القضاء في خدمة الشعب وليس مطيَّةً لمن بيده السلطة للانتصار لغرضٍ شخصيٍّ متى ما استساغ ذلك، فالاستقلال القضائي لأي دولةٍ يتأرجح بين إرساء هذه الضمانات في بنية الدولة أو عدمه، وأثناء البحث في التنظيم القضائي السنغالي نجد أنه يولي اهتماماً كبيراً جدوى هذه الضمانات، ومن ثم وضعُ اللَّبنات والمرتكزات اللازمة للوصول إلى استقلالٍ قضائيٍّ كاملٍ، ويمكن أن نسنتشف هذه المرتكزات الدستورية والقانونية والإدارية من خلال ملاحظة رويَّةٍ للهيكل المؤسَّسِي والتشريعي للدولة.

المرتكزات الدستورية:

نعني بهذه المرتكزات الضّمانات التي وضعها الدستور لترقية شأن هذا المبدأ، وجعله قاعدةً آمرةً تلزم جميع مؤسّسات الدولة المعنية بالأمر بالسهر في تحقيق المبدأ، فنجد أن دستور سنة 1960، أول دستور بعد الاستقلال، في موادها 59 – 60 – 62 {[1]} قد حسم مبادئ مهمةٍ في هذا الجانب،  فنصّت المادة 59 على الفصل التام بين السّلطة القضائية وبقية السّلطات: ” السّلطة القضائية مستقلَّة عن السّلطة التنفيذية والتشريعية “، بينما المادة 60 أخصَّت رئيس الجمهورية بجانب المجلس الأعلى للقضاء (Conseil supérieur de la Magistrature) بحراسة مبدأ استقلال القضاء: “رئيس الجمهورية هو الضّامن على استقلالية السّلطة القضائية ….. ويساعده في ذلك المجلس الأعلى للقضاء”، في حين أن المادة 62 جعلت تعيين القضاة وتثبيتهم من سلطات واختصاصات رئيس الجمهورية بالتنسيق مع المجلس الأعلى للقضاء: ” يُعَّينُ قضاة المحكمة وأعضاء المحكمة العليا باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء”.

هذه الضّمانات كرَّسها دستور 1963، في المادة 80  في الفقرتين الأولى والرابعة{[2]}، وتجدر الإشارة إلى الزيادة الواردة في المادة ذاتها في الفقرة الثالثة والتي نصّت على منع عزل القضاة من طرف رئيس الجمهورية، ” لايجوز عزل قضاة المحاكم …….”، وفي دستوري 2001 {[3]} و2016 تكرَّرت فيه هذه المواد، مايعني أن المشرع السنغالي من الناحية الدستورية، وجد في هذه المواد مايكفي لضمان استقلالٍ قضائيٍّ كاملٍ، الأمر الذي قديتنافى مع الحقيقة الواقع، وسنفصِّل في ذلك حينما نتعرض للمهدِّدات الداخلية لاستقلال القضاء السنغالي.

المرتكزات القانونية والإدارية:  

نقصد بها ماجاء مفصَّلاً في القوانين العادية واللوائح الداخلية ذات الصلة بالمؤسسات القضائية التي أُنشئت خصِّيصاً للإشراف على استقلالية القضاء، ويأتي في مقدمة هذه المؤسسات المجلس الأعلى للقضاء، وصدر له القانون الداخلي المنظِّم منذ 1960، إلا أن الملاحظ في المجلس هو ضعف أدائه وعدم فعاليته، رغم أنه تعرّض لعديدٍ من الإصلاحات كانت أولها في سنة 1992، وآخرها في 2008، نجد أن هذه  الإصلاحات كلّها كانت شكليّةً لم تمس جوهر المسائل المتعلقة باستقلال القضاء وهذا ما أدى إلى استحداث “المفتِّشيَةُ العامة للمحاكم والغرف” في سنة 1975، وقد تكوَّنت المفتشية في البداية إلى قسمين: قسمٌ تابعٌ لرئيس محكمة النقض،{[4]} وقسمٌ آخر تابعٌ للنائب العام في محكمة النقض، وكان يعرف بـ ” المفتِّشية العامة للنيابات”، وبعده في سنة 1984 تم إنشاء قسم آخر تابعٍ لوزارة العدل باسم “المفتِّشيةُ المركزية للقضاء”.

 أراد المشرِّع السنغالي للمجلس الأعلى للقضاء أن يكون حجرَ الزاوية في إرساء القواعد الأساسية والمؤدِّية إلى استقلالٍ قضائيٍّ، وشمل القانون الداخلي للمجلس مسائلُ جوهريةٌ تمسُّ مبدأ الاستقلالية بشكلٍ مباشرٍ، كتعيين القضاء وتثبيتهم ونقلهم وتأديبهم وطرق انتدابهم، إلا أن قانون المجلس لم يُلبِّ طموح المشرِّع لسببين رئيسيين: أولهما ضعف السند الدستوري، حيث نجد أن الضّمانات الدستورية ضيقت سلطات المجلس، وثانيها غياب سلطات الرقابة الوظيفية على القضاء، ولم يكن إنشاء المفتِّشية العامة للمحاكم إلا لغرض سدِّ هذا النقص الأخير.

نصّ القانون الداخلي للمجلس على أنه يتم تعيين القضاء بمرسومً رئاسيٍّ من رئيس الجمهورية باقتراح من وزير العدل،{[5]} وعن عدم جواز نقلهم أوترقيتهم إلا برضاً منهم، {[6]} ولعلّ من أهمّ ما ورد في هذا القانون كون قضاة النيابة العامة تحت إشراف ورقابة رؤسائهم وتحت سلطة وزير العدل، وأنه يمكن نقلهم بدون ترقية، إلا أنه أضاف بأنهم يتمتّعون باستقلالية تامّة أثناء مداولتهم في جلسات المحاكمات.{[7]} وغاية مافي الأمر هو أن قانون المجلس تمّت صياغته على أساس ماقرره الدستور السنغالي؛ من أن السلطة التنفيذية والمتمثِّلة في رئيس الجمهورية ووزارة العدل هي الضّامنة على استقلالية القضاء وليست مجرّد مشرفٍ عليها، وهذا الأمر يسجَّلُ كعاملٍ سلبيٍّ قد يحول دون تحقُّقِ المبدأ كما سيأتي.

المهدِّدات الداخلية لاستقلال القضاء السنغالي:

مامن شكٍّ أن السنغال قد تبنّتْ فكرة الفصل بين السلطات منذ الوهلة الأولى بعد قيام الدولة، مايعني حسم الاستقلال الموضوعي للقضاء، إلا أن ذلك فقط ليس ترياقاً ناجعاً حال دون نشاطٍ ملحوظٍ لبعض المهدِّدات التي ظلَّت عبئاً على هيكل النظام القضائي الوطني.

 فالضّمانات الدستورية والقانونية السالفةُ ذكرها يُنبئُ عن وجود ثغراتٍ قانونيةٍ وتقصيرٍ تشريعيٍّ جعل السُّلطة القضائية في وضع القابليَّة للاستخدام والتأثير المباشر من قبل السلطة التنفيذية بشكل أو بآخر، وفي مقدّمة هذه التهديدات أمورٌ تتعلَّق بتعيين القضاة وتثبيتهم، والعلاقة بين قضاة النيابة العامة والسلطة التنفيذية، وفي تكوين المجلس الأعلى للقضاء.

باستثناء قاضيان في المحكمة الدستورية، وقضاة محكمة القضاء العليا الثمانية ونوّابهم، (HAUTE COUR DE JUSTICE) لقد خوَّل الدستور لرئيس الجمهورية سلطة تعيين جميع قضاة المحاكم؛ بما فيه قضاة النيابة العامة، وليس للمجلس الأعلى للقضاء إلا إبداء الرأي واقتراح القضاة، والأغرب من ذلك كون أعضاء النيابة العامة تحت إشراف ورقابة مباشرة لوزير العدل، ونقلهم من طرف السلطة التنفيذية لايحتاج إلى استصدار رأي من المجلس الأعلى للقضاة، وفي هذا تهديدٌ واضحٌ للاستقلال الشخصي للقاضي.

ولعلّ أكبر مهدِّدٍ على الإطلاق هو أن المجلس الأعلى للقضاء الذي هو المنوط على إشراف استقلالية القضاء واقتراح القضاة بغرض التعيين أوالنقل، يرأسه رئيس الجمهورية نفسه مع عضوية وزير العدل مع بقية الأعضاء القانونيين والمنتخبين من القضاة، وفي ذلك بكلّ تأكيد جعل بقية أعضاء المجلس وهم القضاة كأعضاء في السلطة التفيذية، والأساس القانوني لهذا التطبيق هو أن الدستور جعل رئيس الدولة ضامناً على استقلالية القضاء وجعل المجلس مشرفاً عليها، بينما العكس كان هو الصحيح فالسّلطة التنفيذية يجب أن تكون مهمتها الإشراف على السلطة القضائية، وليست القيام بمهامِّها نيابةً عنها.

لم تنقطع يوماً دعوات الإصلاحيين من رجال الدولة المعنيين بالأمر، وقادة منظمات المجتمع المدني والمستقلّين للأجهزة الرسمية إلى إعادة النظر في التنظيم القضائي الوطني، مع الوضع في الاعتبار هذه المهدِّدات والعمل على إزالتها، فحضر الموضوع بقُوّةٍ في أجِنْدات الجلسات الوطنية (Assises nationals) التي انطلقت أعمالها في 2009، كما أنّ “اللجنة الوطنية لإصلاح المؤسسات” (Commission nationale de réforme des institutions) التي  أنشئت في 2013 وكانت امتداداً لأعمال الجلسات الوطنية، قدخصّصت لموضوع استقلال القضاء حيّزاً كبيراً في تقرريها النهائي.{[8]}

كان من ضمن توصيات الجلسات والوطنية إنشاء محكمة دستورية ذات صلاحيات موسَّعةٍ بدلاً من المجلس الدستوري الحالي، وأن ويكون رئيسها رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء بدلاً من رئيس الجمهورية،{[9]} وورد أيضا في مخرجات اللجنة الوطنية لإصلاح المؤسسات مقترحٌ نصَّ على التالي: ” المجلس الأعلى للقضاء هو المنوط عن إدارة التطوير الوظيفي للقضاة….. ويرأس رئيس المحكمة الدستورية المجلسَ الأعلى للقضاء….”، {[10]} لم يكن الاتفاق على هذين المقترحين من قبيل الصدفة، بل الاجماع عليه دليلٌ لايضع مجالاً للشكِّ على خطورة الموضوع، والعمل بهذا المقترح يعني إحداث تغييرٍ جذريٍّ في صميم التنظيم القضائي الوطني، من خلال إصلاح يُبعد السلطة التنفيذية عن جسم القضاء بفصل رئيس الجمهورية ووزير العدل عن المجلس، علاوةً على ذلك جعل المجلس ضامناً على استقلالية القضاء وليس مشرفاً عليها فحسب كما هو الحال الآن، أضف إلى ذلك جعل المجلس مختصاًّ في أمر التعيين والنقل وانتداب القضاة، وهذا هو عين الاستقلال العضوي والوظيفي الذي بدونه لاوجود لاستقلال قضائي.

وبكلِّ أسفٍ هذه التوصية كان من ضمن المقترحات المهملة، ولم يتم إدراجها في التعديلات الدستورية الأخيرة مع أهميته، مايعني أن السّلطة التنفيذية مازالت تطمع أن يكون القضاء في قبضتها وتحت وصايتها والأمثلة الواقعية تُبَرهِن ذلك.

 

يتبع………..

 

تابع في الجزء الثالث والأخير

القضاء السنغالي ضحيّةُ طمعِ السياسيين:

  • قضية الولايتين:
  • قضية كريم واد:
  • قضية “جاس” الابن:

 

 

الهوامش:

 

[1]   Ismaïla Madior FALL, Textes constitutionnels du Sénégal de 1959 à 2007  Université Cheikh Anta Diop de Dakar, Faculté des Sciences Juridiques et Politiques, Centre de Recherche d’Étude et de Documentation sur les Institutions et les Législations Africaines Collection du CREDILA, XXIII p. 48

[2] FALL, p. 73

[3] FALL, P. 217

[4]  في الإصلاح القضائي الذي تم في 2008 تم إلغاء محكمة النقض ومجلس الدولة وتشكيل المحكمة العليا.

 [5]  LOI ORGANIQUE N° 92.27 DU 30 MAI 1992 PORTANT STATUT DES MAGISTRATS, Article 4

 [6] LOI ORGANIQUE, Article 5

 [7] LOI ORGANIQUE, Article 6

[8] للمزيد انظر توصيات اللجنة المذكورة من المقترح رقم 20 إلى 29 وانظر معها تفاصيل المقترحات في مسودة الدستور المقترح من قبل اللجنة.

 [9] Assises Nationales au Sénégal, Charte de gouvernance démocratique, p. 2

[10] Commission nationale de réforme des institutions, Avant-projet de Constitution, p. 29 article 106

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق