سياسة

إرسال القوات السنغالية إلى السعودية .. حديث ما بعد الفزعة

عند ما أُعلِن القرار بإرسال قوات سنغالية إلى السعودية بحجة حماية الأماكن المقدسة كان هناك ردة فعل من جميع الجوانب وعلى مختلف المستويات، واكتفيت حينها في التعليق على الخبر بعبارة واحدة: (لعله خير). ريثما تهدأ الفزعة وتستفيض المعلومات الموثقة وتسكن العواطف.

وقفة مع سيكولوجيا الجماهير

وقبل الدخول في قلب الحدث، أرى من المستحسن إلقاء الضوء على نفسيات المحللين والمنفعلين والمتفاعلين مع الحدث. وعند التأمل نجد أن زواياهم لقراءة الأحداث متعددة فهم إما:

  • شخص غيور على دينه وناقم على السياسات الخارجية للسعودية، وخاصة موقفها المخزي مما بات يسمى بالربيع العربي. فهذا موقفه الطبيعي هو الرفض لجميع مبادرات السعودية بما فيها عاصفة الحزم وإعادة الأمل وما يدور في فلكيهما من تحالف ضد الحوثيين.
  • وإما شخص غيور على دينه يرى للسعودية وصاية على الخط السني جملة من خلال موقفها الاستراتيجي وبالتالي فيجب دعمها ومباركة مساعيها كافة ومنها القرار السنغالي وهذا موقف الغالب من طلبة العلم والدعاة من ذوي الاتجاه السلفي.
  • وإما شخص يغلب عليه التصوف الحزبي بحيث ينظر للموضوع من زاوية تمدد “الامبريالية الوهابية” على باقي الأجزاء في العالم الإسلامي، مما يدعوا للحذر ورفض القرار. وهذا على الأرجح فاته التفسير الصحيح لمعنى “أهل السنة مقابل الشيعة” والذي استُعْمِل كثيرا في سياق هذا الحدث.
  • وإما شيعي ينظر إليه من زاوية الحرب السنية الشيعية وبالتالي يرفض أي فكرة لرد العدوان في اليمن، سواء كان داخليا أو خارجيا.
  • وشخص أخير علماني متطرف يتضايق من الدين وكل ما يمت إليه بصلة، وبالتالي لا يستسيغ نقل قوات “أفريقية” سنغالية لحماية المقدسات في السعودية “العربية” بناء على تبريرات دينية. وهذا موقف بعض المثقفين العلمانيين في السنغال وما سواها.

وفي رأيي أن الاكتفاء بواحدة من تلكم الزوايا قد يشكل حجبا أمام القارئ تمنعه من رؤية الحقيقة بصورة متكاملة.

لذا سأحاول قراءة الحدث كمواطن سنغالي مُسْلم دون محاولة استبطان العقل السعودي أو الإيراني أو الطائفي أيا كان توجهه.

وقبل ذلك من اللازم رصد تساؤلات المعارضين للقرار السنغالي قبل الدخول في تفاصيل الموضوع، وأهم تلك التساؤلات-وجيهة كانت أم غير وجيهة- هي:

  • لماذا تتدخل السنغال في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؟
  • لماذا تركت السنغال دولا أفريقيًّا بحاجة إلى دعم عسكري مثل نيجيريا في حربها على الإرهاب وتتوجه نحو الدول العربية ؟
  • لماذا هذا العدد الهائل: 2100 جندي مقابل 200 جندي فقط أرسلتها عند جارتها مالي؟
  • يقولون إنه من أجل حماية المقدسات… أليس تبريرا هشا لتدخل ليس وراءها سوى أسباب مادية؟!! ………

 

السنغال: الديبلوماسية العملاقة

تحتل السنغال في أقصى غرب أفريقيا مساحة جغرافية صغيرة الحجم. ولا تملك الكثير من الثروات المعدنية لكنها في الوقت نفسه تمثل عملاقا في الديبلوماسية الإفريقية، مكَّنتها من خلق صورة حسنة ومرموقة في ملتقى الشعوب. وثم ركيزتان تعتمد عليهما الاستراتيجية السنغالية في تسيير شؤونها الخارجية وهي:

  • ركيزة الثقافة: إذْ لم تَتَنَكَّر السنغال يوما لثقافتها سواء الشق الإسلامي منها أو ما كان من الإرث الاستعماري. فثقافتها الإسلامية سمحت لها بتعيين سنغالي أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامي، واستضافة قمة رؤساء المنظمة مرتين، وترأس لجنة حقوق الفلسطينيين في الأمم المتحدة سنوات عديدة- ولا تزال-. ولديها ست عشر سفارة فاعلة في العالم العربي من أصل 22 دولة عربية “مع جزر القمر”.

وعلى صعيد آخر، فالسنغال في ممارساتها الديبلوماسية لم تتنكر لإرثها الاستعماري الفرنسي بل ساهمت في نشأة وتيسير وإدارة المنظمة الدولية للفرنكوفونية. كما تعتبر فرنسا أولى شريكة لها في جميع المجالات. ومن هذا المنطلق تفهم سر مشاركة الرئيس السنغالي في مظاهرة شارلي بباريس للتنديد بالعنف…

  • ركيزة “الإرساليات العسكرية” ويمكن تسميتها بركيزة نصرة الأصدقاء وحفظ السلام: ومن هذه الحيثية لعبت السنغال دورا كبيرا في إحلال السلام في كثير من المناطق سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية، أو بدعوة فردية من دولة صديقة. وتوجد حاليا ما يقارب من ستة آلاف جندي سنغالي حول العالم منها فيما يخص أفريقيا: دارفور بالسودان، ومالي، وأفريقيا الوسطى. كما أنها لم تتردد حينها في المشاركة بقواتها العسكرية في حرب الخليج إلى جانب أصدقائها السعودية والكويت.

الهدف من وراء هذا التفصيل –أيها القارئ الكريم- هو تقديم فكرة موجزة عن الرؤية الاستراتيجية للسنغال في المجال الديبلوماسي لتسهيل استيعاب قرار الحكومة السنغالية في المشاركة في التحالف لدحر القوات الحوثية.

قرار السنغال.. المحتوى والمبررات

جاء في بيان رئاسة الجمهورية أن الحكومة السعودية طلبت من شقيقتها السنغال مساندتها في حماية حدودها ضد خطر الحوثيين الانقلابيين في اليمن. وفي تقديمه لخطاب الرئيس لدى المجلس الوطني برر وزير الخارجية السيد مانكير انجاي قرار الرئيس بأنه “من أجل حماية الأماكن المقدسة من الاعتداءات…..” وفي تصريح آخر أكد الوزير أن القوات العسكرية لا تذهب لليمن وإنما للسعودية وهدفها مساندة السعودية في تأمين الحدود. وهذا التصريح مهم بحيث يكشف الضبابية حول مستوى التدخل، وفيه شيء من الطمأنة للرأي العام السنغالي الذي لا زال يتذكر حادثة وفاة قرابة التسعين جنديا سنغاليا في حرب الخليج.

التبرير الديني غير واقعي وإن كانت مقبولة

قديما قالوا في المثل المعرب: كل الطرق تؤدي إلى مكة. وكأنه استلهم السلطات السنغالية ليقولوا إن سبب إرسال القوات العسكرية هو حماية الأماكن المقدسة المهددة. وفي أبعد مكان يقول: “وقد تبين لنا أن هؤلاء الثوار لا يشتركون معنا في العقيدة، ولا يؤمنون بطرقنا الصوفية، ويهدمون قبور الأولياء في كل مكان استولوا عليه …. إلى آخر ‘السورة المكية‘ …. ” وهذا التبرير -في رأيي- وإن كان مقبولا إلا أنها غير سديدة.

أما كونها غير سديدة فلأن الأماكن المقدسة لو كانت فعلا في خطر فلن تكون السنغال وحدها في قائمة المستنفرين. وأعتقد أن سبب تقديم هذه الحجة هو محاولة العزف على وتر الأحاسيس الإسلامية للسنغاليين البسطاء. على قاعدة “سيسي حرك أحاسيسي” أو “إسلامِيْ حرك أحاسيسي”.

ولكنها حجة مقبولة على العموم لأن السعودية -كدولة- تقع فعلا في خطر بعد حصارها بالمد الشيعي الذي استولى على عواصم كثيرة في الشرق الأوسط (بغداد، سوريا، لبنان، صنعاء) وطوقها من كل الوجوه ولا شيء يمنع أن يحدث فيها من حدث فيما سواها. كما أن التاريخ لا يزال يذكر العمليات الشنيعة التي قام بها الروافض حين تمكنوا من الحرمين. وإذا كانت الحدود السعودية في خطر فإن الحرمين ولا شك ستكونان كذلك.

قرار لعل فيه خير….

إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية جيوسياسية فسوف نجد أن قرار السيد مكي سل في إرسال القوات حكيما ورشيدا من جهة أن العلاقات بين البلدين في منتهى القوة. ولقد كانت السعودية شريكة دائمة للسنغال في جميع المجالات وخاصة التنموية والاقتصادية والثقافية. وهو ما يفسر الامتيازات التي تتمتع بها السلطات السنغالية لدى الحكومة السعودية، وقل ما حصل لغيرها من دول جنوب الصحراء.

كما أن هذا القرار امتداد طبيعي للرؤية الاستراتيجية السنغالية تجاه أصدقاءها وتجاه الشرق الأوسط. وإن أية دولة طموحة تتمنى أن تلعب دورا في منطقة الشرق الأوسط إن بشكل أو بآخر.

كما أن ثَمت مصالح كبيرة للسنغال في هذا القرار، اقتصادية وسياسية وعسكرية لا يناسب سردها في هذه السطور.

قرار حكيم … ولكن !!

  • ولكن أليس الأولى إرسال قوات لمحاربة الإرهابيين في نيجيريا؟! استدراك من بعض المعارضين للقرار، ولكنه تَنِم عن عدم فهم لواقع القوانين الدولية في الحروب والتدخلات العسكرية. فنيجيريا لم تتوجه يوما بخطاب خاص إلى شقيقها السنغال لدعمها في محاربة الإرهاب. كما أن طلبها الأخير العالق في مجلس الأمن الدولي جاء بعد تردد طويل من السلطات النيجيرية التي كانت لديها موقف رفض من تدخل القوات الأجنبية في حربها على الإرهاب. والتحركات الأخيرة من دولة تشاد لضرب بوكو حرام لم يكن لأجل سواد عيون نيجيريا بل غصبا عنها فعلها تشاد من أجل كسر الحصار الاقتصادي الذي كاد أن يسببه استيلاء الإرهابيين على الطرق الاستراتيجية لتوصيل البضائع من موانئ الكاميرون إلى انجامينا -عاصمة تشاد-. فيا ترى أنى للسنغال أن ترسل قواتها لمحاربة عدو هلامي تسوده الكثير من الضبابية ولم تتوفر المعلومات الكافية حوله؟!
  • ولكن… السنغال أرسلت 200 جندي مقابل 2100 في السعودية فأين هي الرؤية الاستراتيجية والتعاون الأفريقي؟

هذا الكلام مبني أولا على معلومة خاطئة، فعدد القوات السنغالية في مالي-ولوقت كتابة هذه السطور- ثمانمائة شخص مكونة من أفراد الجيش، ورجال الدرك. كانت آخر الدفعة مكونة من مائتي فرد من رجال الدرك.  كما أن القوات في شمال مالي ليس تحت إشراف دولة مالي وإنما بإشراف الإيكواس التي تطلب من الدول الأعضاء حسب الطاقة والإمكانات المتوفرة لدى المنظمة. وهذا على العكس من القضية السعودية، فالطلب من الحكومة السعودية والإشراف ورعاية قوات التحالف تقع على عاتق السعودية فلا سبيل للمقارنة مع التدخل في شمال مالي.

والخلاصة أن السنغال كانت ولا تزال تتدخل (أو تخوض) في حروب رأتها عادلة. من حروب تحت راية المستعمر إلى حروب أكثر عدالة في الخليج والبوسنة،  إلى قوات لحفظ السلام في جميع أنحاء العالم : سابقا في رواندا، وساحل العاج، وهايتي في أمريكا الجنوبية، وحاليا في جمهورية أفريقيا الوسطى، والكونغو الديمقراطية، والسودان، ولبنان، ومالي والسعودية وستستمر في طريقها من أجل السنغال الكبيرة

بعد كل هذه الحقائق لم يبق إلا أن نقول لقرار سيد الرئيس: لعله خير… نعيش.. نموت… ويحيا الوطن.

حفظ الله السنغال وجيشها ورفع رايتها في سماء العزة والإنسانية والإسلام.

أحمد الأمين عاج / الكويت 2015م

Ahmed Lamine Athie

باحث في السياسة الشرعية - جامعة الكويت- Doctorant chercheur en droit public - Kuwait University

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق