تربية

أزمة التعليم العربي في السنغال- قراءة من الداخل

إن مما دفعني إلى الكتابة حول هذا الموضوع هو ما يعيشه المثقف العربي في السنغال في الآونة الأخيرة من أزمات اجتماعية ومؤامرات سياسية وحملات استفزازية ضد اللغة العربية وضد من اختاروه منذ نعومة أظفارهم، أوقع الكثير من مثقفي هذه اللغة في حيرة وكأنهم أمام طريق مسدود. تأملت هذا الواقع المهين فساقني إلى جملة من التساؤلات حول ماضي اللغة العربية وحاضرها ومستقبلها في السنغال، سوف نحللها في السطور التالية.

لمحة موجزة عن تاريخ التعليم العربي في السنغال

إن من نافلة القول أن نذكر بأصالة اللغة العربية في القطر السنغالي، ذالك أن الكتابات حول هذا الموضوع قد قتلت بحثا.كما أنها تنجلي لكل ذي عينين، فاللغة العربية لغة الإسلام ، دخلت السنغال مع دخول الإسلام منذ القرن الحادي عشر الميلادي، فكانت وسيلة لرفع الجهل عن الشعب وترشيدهم في دينهم ودنياهم، حتى تبوأت مكانا مرموقا وصارت مقياسا للفضل والعقلانية، من أتقنها فهو النحرير الفاضل، ومن ليس كذالك فهو الغبي الجاهل، وكان ذالك بسبب عدة عوامل، أهمها:

  • إتصال اللغة العربية بالدين اتصال القلب بالقالب، فهي لغة القرءان ، ولغة المعلم الأول، ولايفهم الدين إلا بها.
  • جهود العلماء الجبارة في نشر هذا الدين عن طريق تكوين الكتاتيب والمجالس العلمية التي تعنى بتدريس جميع فنون اللغة العربية باعتبارها الوسيلة المثلى لفهم القرءان.
  • كون تلك اللغة مسايرة لعصرهم ومستجيبة لمتطلباتهم، فكانوا يعبرون بها عن آرائهم وآمالهم وأحلامهم وآلامهم. دونوا بها التراثو وخاطبوا بها الرجل المحتل، وهم في ذالك مطمئنين لجدارتها محتفين بأصالتها.

منعطف تاريخي

عند ما تمكن الاحتلال في أرض القوم شن حربا ضروسا على الإسلام وعلى اللغة العربية، فجاء تلكم القرارات متتالية لتقليص نشاط هذه اللغة من جهة إقصاء المعلمين، وإلزام اللغة الفرنسية على المدارس ، فكان تلك المرحلة نذير تحول في سير اللغة العربية وظهور مايسمى بالمدارس العصرية.

المدارس العصرية- الجذور والواقع

في القرار الصادر بتاريخ 22 مايو 1857م ، واشتهر بقرار فيدربه، بخصوص المدارس العربية الإسلامية جاء فيه مايلي: لفتح أي مدرسة إسلامية لابد لصاحبه من الحصول على رخصة ويتطلب ذالك مايلي:

  • أن يكون الشخص من سكان مدينة سان لويس أو مقيما فيها منذ زمن بعيد.
  • أن يجتاز المقابلة الشخصية لدى لجنة التحكيم المكونة من والي المدينة، وشخصين من إدارة الإستعمار ومواطن يجيد اللغتين العربية والفرنسية.
  • أن يكون حاصلا على شهادة حسن السيرة والسلوك مقدم من لدن الحاكم.

وبالنظرة الفاحصة حول هذه القيود يتبين لنا النوايا المكشوفة التي يرنوا إليها المستعمر، وهي: نشر اللغة الفرنسية، وتقليص الحركة التعليمية الإسلامية والحط من قيمتها، إضافة إلى محاولة فصل الشعب عن ماضيه، وإنشاء جيل جديد للمجتمع على نمط يخدم مصالح المحتل.

ولئن كان تلكم الخطوات المرجفة قد قوبل في الوهلة الأولى بنوع من الثبات والتحدي، بيد أنه لم يلبث أن خارت القوى وتمزقت شملة الشيوخ، فاعتزلوا في الخلاوى والزوايا بعيدا عن المناطق الإدارية. فتمكن المستعمر من إحكام سيطرته، وإملاء قوانينه، فوقعت الطامة الكبرى.

وفي محيط هذه التداعيات ظهر مايسمى بالمدارس العصرية والتي لم تكن في الواقع سوى مؤسسات تعليمية استعمارية بقيت سائدة في المناطق الإدارية لحقبة من الزمن. وفي منتصف القرن العشرين حدثت انتفاضة مباركة من أبناء الدارات التقليدية، حيث توجهوا في البلاد العربية شرقها وغربها، نتجت عن هذه الحركة انتعاش جديد للتعليم العربي، وظهرت المدارس العربية في ثوبها الحالي ، شاركت في تكوين شخصيات نادرة ساهموا في نهضة البلاد. غير أنه قد لاح في الأفق وعلى مدى السنوات تناقضات حادة في محيط تلك المدارس، انعكست سلبيا على رواد هذه المؤسسات ومرتاديها.

ذالك أن مؤسساتنا التعليمية كانت -ولا تزال- تؤسس بعيدا عن المعايير العلمية. أجل، نحن لا ننكر أن أغلبها بالكاد أنشئت  على نوايا شريفة، وتحت ظروف استثنائية، إلا أن ذالك لا يكفي لتخريج أجيال قادرة على مواجهة التحديات ودفع عجلة التقدم لمجتمعاتها. فالواقع أننا نجد أن التلميذ يتخرج في هذه المدارس ويحمل شهادة ليس لها أي قيمة علمية مما يدفع هذا الأخير إلى الجحود بدل الوفاء والنكران بدل العرفان. وسبب ذالك في رأيي يرجع إلى عدة أمور منها:

  • تناقض المناهج: إذ أن لكل مؤسسة مرجعية خاصة في استقاء مناهجها الدراسية، فهذه المدرسة تتبنى مناهج أزهرية، وتلك مناهج مغربية، والأخرى مناهج سعودية، والأسوأمن يجمع بين مناهج مختلفة الهدف والمضمون في مؤسسة واحدة، ويبقى الخاسر الوحيد هم االتلاميذ، أعني الجيل القادم.
  • قصور في المحتوى: مع أن تلكم المناهج متناقضة، فهي في الوقت نفسه قاصرة ، لا تحتوي إلا على جزء بسيط من المعارف ، فهي دراسية أدبية بحتة، ولم تعر اهتماما للجانب العلمي مع بروز الحاجة إليه. والأدهى والأمر أنها في احتفائها بالجانب الأدبي تهمل إلى حد بعيد اللغة الفرنسية، في حين نطمئن جميعا إلى أهميتها في الساحة.
  • المثالية الإدارية: مؤسساتنا التعليمية العربية أنشأتها أفراد، وكل فرد يرى من الآخر منافسا إن لم يكن عدوا، فكل يسعى لاحتواء مؤسسته وصبغها بطريقته الخاصة تحت وطأة قانون  الملكية الشخصية.

الحلول والمقترحات

إن على السادة المستعربين رواد المؤسسات التعليمية استشعار المسؤولية أمام الله ، ثم أمام هذا الشعب المسلم، والتيقن بأنها أمانة تحاسبهم عليها الأجيال القادمة. ويمكن رتق الفتق وتقليص الأخطاء وإصلاح تلكم المؤسسات إذا أخذنا بعين الإعتبار الآتي:

  • اعمال قاعدة ” نجتمع فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه” فبالرغم من اختلاف الوجهات الفكرية والخلفيات الثقافية تبقى أسس التعليم بشقيه الأدبي والعلمي ثابتة لاتتغير مهما اختلفت اللغات والأهداف والغايات.
  • توحيد المناهج، ولا يعني ذالك التطابق الحرفي لجميع المناهج في المدارس العربية. بل المقصود هو وضع منهج خاص -أدبي علمي- تجرى عليها اختبارات عامة، تصدر على غرارها شهادة موحدة معترفة بها لدى الحكومة، تكون لها نفس قيمة الشهادات الفرنسية. حيث يتم تدريس محتوى تلك المناهج في المدارس العربية، ولكل مدرسة مافاض من الوقت لخدمة مصالحها الخاصة. وينبغي التنويه في هذا المقام بالمساعي الطيبة والجهود المضنية التي قامت بها وزارة التربية في الآونة الأخيرة من مشروع يصب في هذا الإتجاه. غير أنه لم يتم التجاوب معه بالشكل المطلوب.

وإذا علمنا تداعيات تلكم المناهج المختلفة على مستقبل اللغة العربية والمستعربين جاز لنا هذا الإقتراح الأخير وهو: اتخاذ سياسات صارمة من قبل الحكومة للحد من هذه الفوضوية ، وفقا للمثل العربي ” أعط أخاك تمرة، فإن لم يقبل فأعطه جمرة” ، ويتم ذالك عبر البروتوكولات التالية:

  • التوقف من التوزيع العشوائي لرخصة افتتاح مدرسة عربية، فما لا يمكن تداركه في الماضي، يمكن تفاديه في المستقبل. إذ أن المدارس العربية المرخصة لها في السنغال تعد بالمئات، والكثير منها وهمي لا واقع له. ولا ننسى قصة ذالك الرجل المستعرب الذي حصل على منحة في إحدى الجامعات الألمانية بعد أن قدم ملفا كاملا صودق عليه من من قبل الوزارتين- التربية والخارجية-، لاكن لما اتصل مسؤولو تلك الجامعة بسلطاتنا تبين أن الملف مزيف، وأن لا وجود لتلك المؤسسة على الإطلاق.
  • مراجعة معايير التصديق لدى أجهزة الدولة للحيلولة دون العبث بها. إذ أننا نعلم أن الكل يملك جهازا في مدرسته، وفي وسعه إصدار شهادة بأجمل صيغة، وأرقى تصميم، مما يؤكد انعدام المصداقية في مؤسساتنا. وعليه فلا يطمئن القلب أبدا في الشهادات العربية المحلية.

وأخيرا، لنقف وقفة تأمل مع قول الباري جل وعلا: ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” فالتغيير إذا يبدأ من الداخل. قال الشاعر

نعيب زماننا والعيب فينا        وليس لزماننا عيب سوانا

ونهجوا ذا الزمان بغير عيب       ولو نطق الزمان لنا هجانا

أحمد الأمين آج  2012م

Ahmed Lamine Athie

باحث في السياسة الشرعية - جامعة الكويت- Doctorant chercheur en droit public - Kuwait University

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق